قال لى صاحبى معلقا على المقال الأخير: ألا يكفى الحديث عن عبدالناصر بعد ثلاثين عاما من رحيله؟ أليست مشاكل الحاضر أولى بالاهتمام, وما نواجهه فى هذه الأوقات الصعبة أهم من الرحيل الى الماضى والعيش فى سجنه؟ قلت للصديق المعاتب: قد يكون ذلك صحيحا اذا كنا نهرب من قضايا الحاضر لنختبئ فى دهاليز الماضى. وقد يكون ذلك صحيحا اذا كنا نفعل مايفعله بعض كتاب مسلسلات التلفزيون فى هذه الأيام حين يستترون وراء حكايات الماضى ليتمكنوا من أن يقولوا كلمة لا يستطيعون أن يقولوها عن الواقع الذى يعيشونه. وقد يكون ذلك صحيحا لو أننا نتحدث عن ماض ذهب وانقضى وانقطعت صلته بالحاضر والمستقبل. وقد يكون ذلك صحيحا لو أن الحديث عن الرجل يبعدنا عن المعارك الصعبة التى نخوضها.. وقد يكون ذلك صحيحا لو أننا نتصور أن عقارب الساعة يمكن أن تعود الى الوراء وأن تجربة الماضى القريب أو البعيد يمكن أن تتكرر كما كانت بالضبط. لكن الأمر فى الواقع ليس كذلك. فنحن نتحدث عن تجربة مازالت تلقي بظلالها على الوطن العربى كله, ومازال جوهرها هو جوهر الصراع مع العدو, ومازالت محاولات تصفيتها تجري على قدم وساق والحرب عليها لم تتوقف رغم ثلاثين عاما على رحيل الرجل شهدت العديد من التطورات الهائلة والأحداث الجسام. فى مصر مازالت المعركة تدور حول طبيعة النظام والى من يتجه الولاء؟. للأغلبية المطحونة التى عاش عبدالناصر يناضل من أجل أن تنال حقوقها التى طال حرمانها منها, أم الى الأقلية التى استحوذت على الثروة والسلطة والحكم قبل الثورة, وعادت الآن تستحوذ على الثروة وتتطلع الى الحكم؟ ومازالت المعركة تدور بين من يريدون مصر المستقلة النامية التى تملك مقدراتها السياسية والاقتصادية؟ وتطور صناعاتها وتسيطر على مواردها وتفتح أبواب الاستثمار ولكن لمصلحتها ووفقا لخططها وتمديد الصداقة دون تفريط فى سيادتها.. وبين فريق آخر يحكم بحكم السماسرة والوكلاء والعملاء, ولا يجد غضاضة فى قتل الصناعة الوطنية اذا كانت العمولات من الصناعات الاجنبية ستكون افضل, ولا يرى بأسا فى تدمير اقتصاد الوطن اذا كان يحقق مصالحه الخاصة, ولا يتورع عن نهب مايستطيع تحت حماية المصالح الأجنبية التى يمثلها, ولا يهمه الحفاظ على استقلال الوطن.. بل العكس هو الذى يفيده لأن قرار مصر المستقل سيكون عقبة فى سبيل تحقيق منفعته الخاصة ومنفعة من يمثلهم ويعمل فى خدمتهم. وفى مصر مازالت المعركة مستمرة بين تيار عريض لا يرى مصر الا فى قلب أمتها العربية بكل مايمثله ذلك من مسئوليات جسيمة فى كل المجالات. وبين تيار آخر يدعو للعزلة أو يتجه الى روابط أخرى, وتقف أمريكا - بكل ثقلها وراء هذا التيار الأخير وهى تحلم بمصر المنكفئة على نفسها, المعزولة عن أمتها وربما المنفتحة على اسرائيل باعتبارها الباب السحرى للجنة الأمريكية الموعودة!! وفى قلب هذه المعركة الداخلية مازال مشروع عبدالناصر هو محور الصراع لأنه المشروع الذى استوعب كل تراث العمل الوطنى فى مصر واستنهض طاقات شعبها لتحقيق آماله المشروعة فى الحرية والاستقلال والتقدم. لم يأت عبدالناصر عن قطيعة مع الماضى بل جاء ليمثل أفضل ماتركه كفاح عرابى ومصطفى كامل وسعد زغلول ومصطفى النحاس ضد الاستعمار وضد استبداد القصر الذى قضى على التجربة الليبرالية ووصل بها مع عوامل أخرى الى الانهيار الكامل. لكن استلهام المشروع الناصرى لهذا التراث العظيم لم يمنعه من أن يدرك أن سيطرة الإقطاع وفساد الحكم قد أنهكا الحركة الوطنية, كما أن فساد القصر لم يمنع المشروع الناصرى من أن يقف باحترام أمام تجربة محمد علي فى بناء الدولة الحديثة المستقلة والتى تحالفت أوروبا الاستعمارية لاسقاطها. ولهذا احتضنت مصر ثورة يوليو منذ اللحظة الأولى. لم تشعر انها نبت غريب يزرع فى أرضها, ولم تتعامل معها على انها مجرد انقلاب عسكرى. وبالمقابل لم يكن مشروع عبدالناصر لبناء مصر استردادا لتجربة أجنبية أو تطبيقا لمشروع مفروض من الخارج, ولكنه كان التعبير الحقيقى عن طموحات وطن يحلك كل مقومات النهوض وتقف فى طريقه كل العقبات.. من احتلال الى حكم فاسد الى أحزاب مهترئة الى ثروة منهوبة الى انقسام هائل فى المجتمع بين أقلية تملك كل شيء وأغلبية طال حرمانها من كل شيء. كانت قيمة مشروع عبدالناصر لبناء مصر انه استلهم تجربتها الطويلة, وواجه مشاكلها بشجاعة, وفجر طاقات الابداع.. فكانت الانطلاقة التى هزمت التحديات. ثم كان الرحيل والردة, وكانت المعركة التى استمرت ثلاثين عاما حتى الآن ومازالت تدور بشراسة لاعادة مصر كما كانت قبل ,52 ولكى ينسى شعبها انه استطاع حين امتلك مقدراته أن ينجز الكثير, ولكى تعود الغالبية العظمى التى عرفت الحياة فى ظل الثورة الى ما كانت عليه. وماحدث فى مصر كان المقدمة الطبيعية لما حدث فى العالم العربى. لم يخترع عبدالناصر شيئا فى الواقع العربى المرير الذى صادفه, ولكنه استوعب جيدا هذا الواقع واستخلص أعظم مافى تجربة الشعوب العربية فى كل أقطارها وهى تكافح ضد الاستعمار وتحلم بالوحدة والاستقلال والسيطرة على ثرواتها المنهوبة. ولم تكن قيمة عبدالناصر عند الشعب العربى فى كل مكان انه الرجل الذى واجه الاستعمار وانتصر عليه. كان هذا مجرد المدخل أو بطاقة التعارف. انما قيمة عبدالناصر الأهم انه استعاد لمصر وجهها العربى واستعاد للعرب مصر التى لم تغب يوما عن عيونهم وقلوبهم وعقولهم. وهو لم يستعد للعرب مصر المحتلة. الضعيفة الواقعة بين محتل غاصب وحاكم فاسد واقتصاد ضعيف وجيش لا يجيد ضباطه الا السير فى مواكب الاحتفالات, وانما استعاد للعرب مصر الأخرى. ومصر التى تملك ارادتها, وتبني نفسها, وتؤمم قناة السويس وتبني السد العالى, وتساند ثورة الجزائر فى المغرب وثورات عديدة فى المشرق وتدفع ثمن هذه المساندة راضية مادام الجزاء هو أن ترتفع أعلام التحرير والعروبة من المحيط الى الخليج. وقد خاض العالم العربى فى ظل المشروع الناصرى معركة طويلة مستمرة. انتصرنا وانهزمنا حققنا الاستقلال وواجهنا التآمر. بنينا الوحدة وواجهنا الانفصال. أخطأنا ودفعنا الثمن وصححنا وعبرنا الانكسار, عادت ثروات العرب للعرب وارتفعت رايات الاستقلال على مناطق طال استعمارها. ظلت فلسطين كما كانت فى المشروع الناصرى قلب الصراع ومحوره. وقد رحل عبدالناصر منذ ثلاثين عاما ولم ينته الصراع, لكن مياها كثيرة جرت فى النهر كما يقال, حتى وصلنا الى مانحن فيه.. حيث يرى العدو أن هذه هى اللحظة المناسبة لحسم القضية لصالحه نهائيا. كانوا يريدون لنا أن نعيش وكأن التاريخ العربى بدأ وانتهى فى 67 ولكن معركتنا البطولية فى حرب الاستنزاف ثم الانتصار فى أكتوبر 73 أنهى هذه المحاولة. الآن يريدون للتاريخ العربى ألا يقف الا فى محطتين: زيارة السادات للقدس وماتبعها من اتفاقيات كامب ديفيد. ثم مأساة غزو الكويت وتدمير العراق التى مازلنا ندفع ثمنها حتى الآن. مايجري الآن هو محاولة تثبيت لحظة التراجع العربى لتصبح هى الوضع الطبيعى للعرب. وفى ظل ذلك يمكن أن يحدث كل شيء.. ماكنا نرفضه طوال خمسين عاما يجرى تمريره, وما كنا نبنيه طوال هذه السنوات يجرى تبديده, وما كنا نحلم به أصبح هو الجنون الرسمى والشعبى. الأهداف الأجنبية التى ثارت الأمة حتى اسقطتها قبل نصف قرن.. يتم تقديمها الآن على انها انجاز مابعده انجاز. قوات الاحتلال التى رحلت بعد كفاح مرير تعود على الرحب والسعة. المصالح القطرية هزمت حلم الوحدة. والثروة العربية تتبدد. والمصالحة مجرد المصالحة أصبحت هدفا بعيدا والجامعة العربية أصبحت أطلالا. ونداء دولة مثل الامارات من أجل استعادة أرضها المحتلة اصبح غريبا. أما فلسطين فقد أصبحت العنوان الرسمى لكل الخيبات العربية. لكن ذلك كله ليس الا جزءا من الصورة. فعلى الجانب الآخر مازالت هناك أمة ترفض الهزيمة حتى لو قبلت بعض قياداتها. أمة قد تكون المعارك قد انهكتها, والأزمات قد حاصرتها, والمؤامرات قد نالت منها.. ولكنها مازالت قادرة على الحياة وصابرة على البلاء ومتمسكة بأحلامها الصعبة كمن يمسك الجمر. هذه الأمة التى رفضت الهزيمة فى ,67 وحاربت وانتصرت فى ,73 ورفضت التطبيع رغم كل الضغوط والاغراءات, وعاشت المأساة منذ حرب الخليج وحتى الآن.. مازالت صامدة فى معركة البقاء, ومازالت عصية على الانكسار, ومازالت مثل كل أمة عريقة تدرك أن المعركة طويلة, وانها قادرة بما تملكه من طاقات أن تحسمها لصالحها مهما طال الزمن ومهما كانت التضحيات. وفى قلب هذه المعركة يقف المشروع الذى طرحه عبدالناصر وقاد نضال أمته لتحقيقه يقف المشروع كتجربة مازالت قادرة على الحياة (وليس على التكرار) وكرؤية مازالت قادرة على التجدد, ومازالت هى التعبير الأكثر نضوجا لطموحات الأمة.. ولهذا مازالت حتى الآن هدفا لهجوم الاعداء وأملا تحتضنه الملايين حتى وإن لم تسمح الظروف لهم بالتعبير الصحيح عن هذا الارتباط. اختلفت الظروف فى ظل العولمة وهيمنة القطب الأمريكى والثورة العلمية الحديثة و التطورات الداخلية فى الاقطار العربية, ومع ذلك فمازال حلم بناء الدولة العربية الحديثة التى تقوم على الكفاية والعدل وكرامة الانسان حلما يتجدد, ومازالت التحديات التى يواجهها العرب اليوم عاجزة عن دفع الأمة الى الاستسلام لواقعها المرير, ومازالت الأمة تعرف الطريق الى المواجهة وتستدعى لذلك كل ماتملك من رصيد تجربتها الثرية فى النضال والمقاومة وفى رفض الانكسار مهما كانت التضحيات المطلوبة. ولهذا.. مازالت المعركة حول عبدالناصر مشروعة مستمرة, ومازالت محاولات تصفية التجربة تلقى الدعم الخارجى وتلقى المقاومة الداخلية. وما زالت الجماهير فى ساعات الأزمة تستدعى بطلها الراحل. يحدث هذا داخل مصر وهى تخوض معارك التنمية والصراعات الاجتماعية والخلافات الثقافية وتحارب التطبيع وتؤكد هويتها العربية. ويحدث هذا فى فلسطين وهى ترفع رايات الانتفاضة ضد الاحتلال وضد محاولات تصفية القضية وضد تنازل من لا يملك لمن لا يستحق. ويحدث هذا على طول الأرض العربية وهى تدرك أبعاد الأزمة التى تعيشها الأمة وتبحث عن طريق للخلاص. والمفارقة أن الكثيرين ممن خاصموا عبدالناصر حيا وحاربوه ميتا أصبحوا يقفون الآن على نفس الارض التى كان يقف عليها وهم يدركون أن ما أنجزه مشروع عبدالناصر هو الذى مكن مصر من الصمود حتى الآن, وماعبر عنه من رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية مازالت هى الجامع الذى يجمع الأمة من المحيط الى الخليج, وأن المشروع رغم الاخطاء والخطايا والنكسات مازال يملك القدرة على الحياة والتجدد. مشروع عبدالناصر الآن ليس فقط مشروع الطبقات الفقيرة التى انحاز لها, ولكنه مشروع الرأسمالية الوطنية الحقيقية التى ترى مايهدد الصناعة المصرية فى غيبة حماية الدولة وفى ظل سوق متوحشة لا ترحم, وطبقة من السماسرة والوكلاء تتآمر على الصناعة الوطنية. ورؤية المشروع الناصرى لحقيقة الصراع العربى الاسرائيلى لم تعد رؤية القوميين فقط, ولكنها تجمع الليبراليين وجماعات الاسلام السياسى أصبحت تطرح ما أدركه منذ البداية من أن الصراع هو صراع وجود وليس صراع حدود, وأن ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة التى نبنيها فى كل المجالات ونحبذ لها كل الطاقات. والحديث يطول. ولكننى أتوقف هنا مع موقف مازلت أذكره رغم مرور السنوات. حين روى لى أحد الأصدقاء من زعماء الاخوان المسلمين, كيف انه بعد خروجه من السجن انصرف الى اعادة بناء حياته. وكيف كان يتابع يوما زيارة عبدالناصر الشهيرة للأمم المتحدة التى فرضت اللغة العربية لغة رسمية فى المنظمة الدولية, واذا به يتغلب على الجراح ويرسل برقية تأييد وتحية لعبدالناصر فى أمريكا. سألته: لماذا؟ وكان الجواب: رأيته يتحدث والعالم يستمع, وقارنت بين ذلك الموقف وموقفنا قبل سنوات قليلة ورئيس وزرائنا يستجدى العالم أن يساعدوا مصر على تحرير أراضيها من الاحتلال البريطانى, ولا أحد يستمع له. قارنت بين الموقفين, وأدركت حجم ماتحقق, وأبرقت اليه رغم الخلاف محييا وشاكرا. ويدور الزمن دورته.. وها نحن نتحدث فلا يسمعنا أحد, ونعيش الأزمة وندرك أبعادها, ونبحث عن الخلاص ونعرف أن طريقه صعب, ولكننا اجتزناه ذات يوم حين امتكلنا الراية والارادة والقيادة والرؤية الصحيحة والهدف المشروع.. ومن هنا دائما تكون البداية.