ليس غريباً ان يبحث العالم عن آفاق مستقبله, وتحديات واقعه من بوابة الاقتصاد, فالاقتصاد اليوم بكل قنواته واشكاله هو مظلة السياسة وابجدية السياسي التي ينطلق منها ليرسم ملامح الزمن القادم, دون ان ننسى او نتناسى بأن الجغرافيا هي العامل الاول والمحرك الرئيسي في صنع الاحداث والتاريخ. وعليه, فقد شهدت مدينة دافوس السويسرية التقاء أكثر من 1000 شخصية عالمية يمثلون زعماء دول ورؤساء شركات دولية كبرى ومنظمات عالمية غير حكومية ليرسموا معاً مستقبل البشرية وليحددوا في ضوء تجارب بلدانهم طبيعة التحديات والمتغيرات التي تفرض نفسها على صانع القرار السياسي واضعة اياه على محك الاختيار الصعب, اختيار مواجهة التحديات بروح المسئولية وبرؤية سليمة لا تعرف التردد. وفي دافوس, كان خطاب ولي عهد دبي سمو الشيخ محمد بن راشد تعبيراً عن رؤيته كقيادي, وعن تجربة دولة تحاول قدر استطاعتها ان تتلمس طريقها للمستقبل بمواجهة كل التحديات الصعبة والدقيقة جداً التي فرضها التغيير والانتقال من واقع معين الى واقع مختلف تماماً, وهي في محاولتها هذه تعرف ان المواجهة يجب ان تتم بشفافية وبمنطق الوعي وسلاح المعرفة. لقد حمل الخطاب لغة غنية بالجرأة, وبالحديث المنطقي عن التحديات التي تواجهنا كأنظمة وشعوب على ارض الواقع, وعن مسئولية القيادات العربية في مواجهة هذه التحديات الصعبة والتي أهمها وابرزها: التحديات الاقتصادية والتعليمية والتكنولوجية والهوة الادارية ومحاربة الفساد, والمشاركة الشعبية وتطوير المؤسسات البرلمانية و... الخ, وهي تحديات تبرز بوضوح في البيئة العربية اكثر, وفي البيئة الخليجية بشكل اكثر حدة لأسباب نعلمها جميعاً, كما نعي جميعاً ضرورة مواجهتها والخلاص من ضغوطاتها وفق منطق الزمن المتسارع وبحيث لا نذهب بعيداً عن خصوصيتنا الثقافية والاجتماعية والانسانية. ولعل البداية التي نود الدخول اليها عبر البوابة الاقتصادية العالمية في دافوس, والتحدي الاخطر الذي نجمع على ضرورة مواجهته هو التعليم الذي دعا سموه في خطابه العالم الى تخصيص ما نسبته 20% من ميزانيات التسلح من اجل تطويره والارتقاء به, باعتبار التعليم هو الضمان الاكيد وصمام الامان الفعلي لأمن المجتمع, ولا تأتي الدعوة لمساندته ودعمه الا من اشخاص يعلمون على وجه اليقين ان التعليم هو قضية امن قومي اكثر من كونه مجرد احتياج او خدمة مجتمعية تقدمها الحكومات لشعوبها بأي شكل وبأي مستوى, وبأن ما على الناس سوى ان تمحو أميتها وتقتني المزيد من الشهادات وكفى! ان المسألة اخطر بكثير من اعداد مدارس وخريجين يتكدسون على مكاتب لا حصر لها دون مردود يذكر او انتاجية محسوبة تضاف الى انجازاتنا وعمر حضارتنا. من هنا فإن تخصيص 20% من ميزانية التسلح التي جاءت في خطاب دافوس تشكل رؤية سليمة ومستقبلية فيما بعد دافوس بالنسبة لمجتمعنا الذي يسابق الزمن من اجل التميز وتعويض ما فات, طالما توفرت له قيادة سياسية حكيمة, وموارد مالية جيدة, ورغبة اكيدة في مواجهة التحديات (في زمن كزماننا يحدث فيه التغيير بسرعة غير مسبوقة ويخلق واقعاً جديداً تماماً يفرض تحدياته على القيادات السياسية) تماماً كما جاء في خطاب سمو الشيخ محمد بن راشد.