(إنهم قد يجدون رئيسا مثلي لأمريكا, لكن لن يجدوا أحدا قد استمتع تماما بهذا المنصب) تلك آخر كلمات قالها بيل كلينتون وهو يودع المكتب البيضاوي, بعد انتهاء فترة رئاسته لأقوى جمهورية في العالم, هي الولايات المتحدة الأمريكية. قطعا الرجل استمتع بالمنصب وهو يقضي معظم وقته بين المتدربات, وهو يتلذذ بتعذيب شعوب الأرض, وتوجيه طائراته, وتصويب صواريخه نحو الدول الرافضة الدخول لبيت الطاعة الأبيض.. لقد استمتع حقا وهو يجوب العالم من بلد إلى آخر بأموال دافعي الضرائب من الأمريكيين الغلابة وفقراء شارع (42) في مانهاتن بقلب نيويورك. لقد استمتع كلينتون كثيرا بأعماله غير اللائقة على حد تعبيره. وربما استمتع قليلا بأداء عمله الذي انتخبه الشعب من أجله. ولكن كلمة الاستمتاع التي ذكرها بيل.. ألا تصلح مصطلحا لحياتنا في العمل.. بحيث يصبح الاستمتاع هو الدافع الأساسي والمحرك الرئيسي.. والباعث المهم لتطوير الأداء وتجويده والارتقاء به, ثم لماذا لا نجعل الاستمتاع قاعدة لعملنا, بحيث تكون ساعات الدوام فرصة للرفاهية المنتجة, ومعروف ان الرغبة في طلب الشيء هي نصف الطريق لتحقيقه, فإذا ما كانت الرغبة موجودة لدى كل واحد منا في تطوير أدائه والارتقاء بأسلوبه, والاستمتاع بوقته في العمل فإن كل شيء سوف يتحقق بشكل ايجابي, ولكن يبقى الوعي بأهمية ما نعمل هو الأهم, فالوعي يقودنا لتجميل الواقع وطرد الملل والقضاء على العلل المتمثلة في البيروقراطية والروتين. الوعي الذي يجعل عملنا ناضجا وجهدنا بارزا وابداعنا ماثلا للعيان. وبمثلما نستمتع باجازتنا السنوية, وبعطلتنا الاسبوعية, وبأوقاتنا العادية, لماذا لا نستمتع بالعمل. فلو تخيل كل واحد منا ان ذهابه إلى العمل يأتي بمثابة موعد غرامي للقاء من نحب, لا موعد رسمي في مطار أو محطة سكك حديدية, مرتبط بلحظة اقلاع وهبوط, أو مغادرة ووصول, حيث الساعة هي الحاضرة في معظم الأحوال وليس العاطفة والمحبة اللتان ترفضان حسابات الزمن واشارات الوقت. وإذا ما طرح كل واحد منا على نفسه سؤالا حول أيهما أهم, متى ننجز العمل أم كيف ننجزه؟ لحقق لنفسه غاية مهمة تنقله من مرحلة أداء العمل, إلى لحظة الاستمتاع بالعمل! إن الجميع يلتقون في صنعة واحدة, هي انجاز العمل, لكن هناك قلائل هم الذين يختلفون في الكيفية والنوعية, إنهم المبدعون الذين يحملون صفة التميز المرتكزة على موهبة الخلق والابتكار, حيث هاجسهم الأول أن يكون الفرد منهم رقما صعبا وسط الأرقام, وأن يكون عملاقا وسط الأقزام. وان يكون حقيقة ساطعة وسط ظلام الأوهام. ولكن كيف يتأتى الابداع؟ ومن أين نستمد طاقة التفوق والتميز. أعتقد ما لم يكن لدينا إيمان عميق بما نعمل, وانتماء أكيد لكل أداء نؤديه, فلن يكون لدينا ولاء حقيقي للعمل الذي يوكل إلينا وينبغي أن نؤديه. الدراسات الحديثة تؤكد ان الاستمتاع بالعمل, يعني باختصار الذوبان فيه والاخلاص له, والاحساس به, ومعايشته معايشة تامة لدرجة التوحد. وكما ان أي طموح أو أمل لا يمكن الوصول إليه إلا بالعمل, فان العمل نفسه يحتاج منا أن نخلص له, وننكر ذواتنا من أجله, حتى يكون عملا منتجا ومثمرا يحقق الغايات ويرضي الطموحات. والإنسان عموما بلا رفاهية لن ينتج, لكن أي رفاهية نقصد, إنها رفاهية المستوى الرفيع. دعونا نستمتع بعملنا وننقله من خانة أداء الواجب إلى قاعدة أوسع أساسها التميز والتفوق والخلق والابداع, وركيزتها الاخلاص والتفاني, حتى نستثمر الوقت فيما يفيد, ونعطي المزيد, ولكن بأسلوب جديد عبر عطاء فريد. آخر نقطة لا تندم على دقيقة مرت بك, إذا استطعت أن تستبقي منها ثانية مفيدة, أنجزت من خلالها عملا, وحققت لغيرك عبرها أملا.