لم يجد الرئيس الامريكي الحالي جورج دبليو بوش مخرجا لتحسين صورته امام الناخبين اثناء الحملة الاخيرة على منصب الرئاسة الامريكية سوى الظهور امام الشعب بمظهر الرئيس الحنون على كلبه الأول, فقد اتقن واجاد الدور الذي رسمه المستشارون بكل دقة اذهل خلالها آل جور منافسه على كرسي الرئاسة, فأصبح المواطن الامريكي يحفظ بكل تلقائية اسم الكلبة سبوت, بينما يكاد لا يتذكر تهجئة اسم زوجة الرئيس او اسم ابنتيه. لقد اصبح من المتعذر على اي رئيس امريكي ان ينتقل الى البيت الابيض من دون ان يكون بصحبته حيوان منزلي, يظهره امام الجميع ويسبغ على شخصيته نوعا من الحنو والعاطفة والبساطة, لذا لا غرابة ان يغتنم بوش الابن تفوقه على آل جور في هذه النقطة بالذات لان كلبته سبوت هي ابنة اشهر واغنى كلبة امريكية اسطورية اسمها ميلي والتي سبق لها ان اكتسبت برعاية صاحبيها جورج بوش الاب وزوجته باربرا سمعة واسعة ككلبة الامة الاولى! واستطاعت الكلبة في كتابها الذي يحمل عنوان (كتاب ميلي كما امليته على باربرا) ان تتصدر قائمة اكثر الكتب رواجا حيث بلغت مبيعاته 300 الف نسخة ودر عليها ارباحا تقدر بملايين الدولارات. واستخدم جورج بوش الاب الكلبة ميلي في حملته الانتخابية عام 1992 ووصفها بأنها اذكى من (البوزو) وهو لقب يطلق على الاداريين قليلي الكفاءة, وبالمقابل ادرك بيل كلينتون اهمية الكلب الاول في البيت الابيض بعد ان انتقل اليه بصحبة قطته الصغيرة سوكس وكان الكلب الجديد بودي خير معين له ابان فضيحة مونيكا جيت, واثناء انتقال هيلاري الى نيويورك. ويتساءل البعض عن اسباب هذا الضغط الكلابي على الرئاسة الامريكية, وتأتي الاجابة بسهولة وتأن بأن عدد الأشخاص الذين يقتنون الكلاب في امريكا يصل الى 54 مليون شخص وهم يتعاطفون ضمنيا مع الرئيس الحنون على الكلاب ولم ينس الامريكيون ما فعله الرئيس جونسون في العام 1964 حينما سحب احد كلبيه هيم وهير من اذنه كي يسهل للمصورين تصويره, ولم يعلم انه يرتكب بهذا الاسلوب حماقة جعلت صرخات الاحتجاج على تصرفه تدوي في طول الولايات المتحدة الامريكية وعرضها. ولأننا حقا نعيش زمن الكلاب, فقد ادهشتنا الألفية الجديدة بشكلها ومضمونها حيث تواترت اخبار الكلاب التي طيرتها وكالات الانباء العالمية على رؤوسنا ومن بين جوانبنا تباعا, وعكفت الفضائيات على متابعة تفاصيل تلك الاخبار, بل وانجزت تقارير خاصة حول مجتمعات الكلاب. ولم يذهب المثل الشعبي الذي مازال يردده الكثيرون هنا وهو (طوَّل عمر واشبع طماشة) والذي يقابله تراثيا (عش رجبا ترى عجبا) , لم يذهب المثل ادراج الرياح, فقد سمعنا ورأينا وقرأنا العجب العجاب في ألفية الكلاب, اذ قام زوج وزوجة بتخصيص مايزيد على 5 ملايين دولار لاستنساخ كلبتهما التي تدعى ميسي وتبلغ من العمر 12 عاما, وقد اكد الباحثون انهم اوشكوا على استنساخ اول كلب في العالم من الكلبة ميسي المتحدرة من فصيلة كولي الاسكتلندية. والذي حدا بالزوجين التفكير في تلك العملية كما تم التصريح به من خلال موقعهما على شبكة الانترنت هو العشق الذي يبدأ من اول نظرة, فقد اكدت صاحبة الكلبة بأنها قابلت ميسي بالصدفة وكان عمرها لايتجاوز الاربعة اشهر وكانت مرحة وجميلة جدا, ومن خلال بعض الحركات التي قامت بها صاحبتها اكتشفت ان هذه الكلبة ذكية فقررت هي وزوجها استنساخها دون التفكير في التبعات المالية الباهظة. ولان رزق الهبل على المجانين كما يقال, فإن فريق الباحثين الذي يرأسه الدكتور مارك ويستوسين الذي يعد احد ابرز خبراء العالم في مجال استنساخ الماشية لا يجد غضاضة في هذا الامر مادام هناك من سيمول المشروع والذي ينوي مموله ان يبدأ تسويق مجموعة (اصنعها بنفسك), والتي تتيح لمالكي الحيوانات الاليفة ان يأخذوا عينة من سائل (دي.ان.ايه) الخاص بحيواناتهم وحفظها الى ان يتسنى استنساخ تلك الحيوانات فيما بعد, وذلك مقابل رسوم تخزين تتراوح مابين 50 و 100 دولار امريكي للعام. ولا ندري ان كانت هذه الخطوة المثيرة ستجد حماسا او صدودا من جمعية حقوق الحيوانات او من يؤيدها مثل الممثلة الفرنسية بريجيت باردو رئيسة مؤسسة باردو التي تعنى بشئون حماية الحيوانات خاصة وان باردو قد اكدت ان مؤسستها على استعداد لتقديم خبراتها ومساعدتها بهدف وضع قانون لحماية الحيوانات في روسيا وذلك ردا على رسالة وجهها فلاديمير بوتين الرئيس الروسي الى مؤسسة باردو اعرب خلالها عن عرفانه الكبير لاهتمام (ب.ب) بمشكلة تكاثر الحيوانات في روسيا. وبعيدا عن باردو وبوتين نذهب لاكتشاف ما تهب به رياح المدنية الأمريكية لنرى اننا أمام عالم مثير, ففي الولايات المتحدة الأمريكية جامعتان في كل واحدة منهما كلية خاصة لتدريس طب أسنان الحيوانات هما جامعة بنسلفانيا وجامعة ايلينوي. والمثير ان عدد المتخصصين بمعالجة أسنان الحيوانات في العام 1977 كان ثمانية طلاب فقط بينما وصل العدد الآن إلى ثلاثة آلاف طالب. ويبدو الأمر مختلفا في عيادة الأسنان وغريبا فبينما ينتظر أحد الكلاب دوره للدخول إلى طبيب الأسنان ينام كلب آخر ملء جفونه على منشفة صفراء فيما يقوم عدد من الأطباء بعملية جراحية في أسنانه ولثته. ويشير الدكتور كولن هارفي البروفيسور في كلية الطب البيطري في جامعة بنسلفانيا إلى ان تطبيب أسنان الكلاب يتم تماما كمعالجة أسنان الإنسان, وان معظم آلام ومشاكل أسنان هذه الحيوانات يعود سببه إلى التهامها قضما العظام والمواد الصلبة. ولاننا نعيش ألفية الكلاب نعرج على لبنان حيث عاد نادي كينل العالمي مؤخرا لمزاولة نشاطه في لبنان, والنادي للذين لا يعلمون هو جمعية يسعى القيمون عليها للحفاظ على أصل الكلاب ونسبها ويقع المركز الرئيسي للنادي في مدينة نوين البلجيكية وينتشر في 85 دولة, ومهمة النادي هي التعريف بأصل كل كلب, خاصة وان الكثير منها مشرد لا يحمل شهادة تعرف بأصله ونسبه. والشهادة هذه تؤكد صحة نسب الكلب على مدى ثلاثة أجيال, وتصنف الكلاب غير المعرف بها رسميا فتراقب مرور جيلين منها لتدخلها بعد ذلك في الفئة الأولى وتخولها للمشاركة في عروض عالمية أسوة بالكلاب الأخرى المعرف بها. ويبدو ان الكلاب تمشي على غرار النجوم وأهل السينما والسياسة, فتدخل الانتخابات وتتوج وتتمختر في مشيتها, فما دام هناك عشاق ومريدون, وما دام هناك مهرجانات وحفلات, فمن حق الكلاب أن تصاب بالغرور والأنانية أحيانا.. فالكلاب المنتخبة ينتظرها ــ كالسياسيين ونجوم السينما ــ مستقبل باهر ومميز إذ تسنح أمامها فرص الاشتراك في أفلام سينمائية أو تلفزيونية أو عروض أزياء. ولان أهل الموضة لا يتركون بابا إلا ويطرقونه, فقد أعلن الفرنسي ميشال دانييال عن مشروعه الجديد وهو (بوتيك الكلاب) يقوم مقابل مبلغ من المال بتأجير الزبون كلبا يتماشى مع أناقته, فإذا كانت البدلة رمادية يكون الكلب رماديا, وذلك من خلال بروفة تتم بواسطة الكمبيوتر, حيث يحدد البرنامج نوع الكلب المراد للزبون وشكله وأهميته. وبينما يبحث الكثيرون في هذا العالم المتلاطم عن حقوق الإنسان, يتسلى الآخرون بتفاصيل حياة الكلاب وأسرارها وأصولها ونسبها وأنديتها الخاصة وحدائقها.. إنها الألفية التي سنرى خلالها العجب العجاب في أسرار الكلاب!