في الحلقة الاولى تناولنا رؤية الخبراء الاستراتيجيين في الولايات المتحدة لما سيكون عليه واقع العالم عام 2010 من حيث حجم القوة العسكرية والتوازن الاستراتيجي ولهذا تبنى هؤلاء الخبراء رؤيتهم حول كيفية المواجهة، وتوقعاتهم للأزمات والتهديدات العسكرية التي يجب على واشنطن ان تعمل لها منذ الآ حتى تستطيع التصدي لها ومنها ضرورة اعادة النظر في الاساليب العسكرية الامريكية التي تعتمد على عدم الزج بالقوة العسكرية البشرية في الالتحام المباشر خوفا من وقوع خسائر بشرية, الى جانب مشكلة الاعتماد الكلي على الضربات من بعد. يضاف الى ذلك امتلاك قوى عديدة لاسلحة مماثلة بل ومتفوقة على ما تمتلكه الولايات المتحدة. وهنا في هذه الحلقة يتحدث الخبراء عن الاستراتيجية المتوقعة للخصوم وكيفية مواجهتها ومن ذلك ما يسمى بالضربات المضادة, وهو ما يسمى بالدرس الثالث, والذي يعني وجوب وحتمية التدخل المضاد منذ بداية تحرك القوات الأمريكية بين مناطق إيوائها, وعبر طرق تحركها, وخلال مرحلة نزولها جوا وبحرا في مناطق إنتشارها. وذلك بهدف تكبيدها خسائر بشرية ومادية جسيمة خلال كل هذه المراحل السابقة للمعركة, وبما يعيق انتشار القوات الأمريكية في مناطق تدخلها, وقد يدفعها إلى التراجع تحت وطأة ما تتكبده من خسائر. وسيكون طابع القتال في هذه المرحلة السابقة للعمليات العسكرية هو شن العمليات الخاصة عبر طرق تحرك القوات الأمريكية, وفي محطات انتقالها, وحتى وصولها إلى منطقة العمليات, حيث يمكن في هذه المرحلة الأخيرة أن توجه ضربات صاروخية ضد القوات الأمريكية في مرحلة نزولها وبدء انتشارها, وبما يعرض وسائل الانزال الجوية والبحرية ذاتها لخسائر جسيمة, حيث تكون القوات الأمريكية في هذه المرحلة في أصعب حالتها وهي معلقة بين السماء والأرض أو بين البحر والأرض, وحتى عند نزولها على الأرض تكون في حالة عدم تحصين ضد نيران الخصوم وهجماتهم. هذا بالطبع إلى جانب ما يبذله الخصوم من جهود سياسية لدى الدول التي تمنح تسهيلات جوية وبحرية وبرية للقوات الأمريكية لتنفيذ هذه التسهيلات أو منعها نهائيا. يبرز ذلك بشكل واضح في شرق آسيا حيث يخطط الكوريون الشماليون لاستخدام كل ما لديهم من صواريخ بالستية وأسلحة دمار شامل ونيران مدفعية لمنع القوات الأمريكية من الوصول إلى قواعدها الجوية والبحرية في كوريا الشمالية في حالة نشوب الحرب, بل وقصف مراكز وقواعد تجمع الأمريكيين في قاعدة (أوكيناوا) الرئيسية في اليابان, قبل أن يتحركوا صوب شبه الجزيرة الكورية. وتعتبر المواقف العسكرية الأمريكية العديدة والمتنوعة في حالة انتشارها على مساحات واسعة, أهدافا ثمينة بالنسبة لهجمات قوات الخصوم. ذلك أن عناصر الدفاع الجوي ومراكز القيادة والسيطرة الأمريكية, بالاضافة لأماكن ايواء القوات الأمريكية وقواعدها الجوية والبحرية ومراكز امدادها اللوجيستي ستكون معرضة بدرجة كافية لهجمات منفردة من قبل عناصر صغيرة من وحدات الخصوم الخاصة المسلحة بأسلحة خفيفة ورخيصة مثل الرشاشات والصواريخ المضادة للدبابات وعمليات التفجير والتلغيم على الطرق, بجانب العمليات الانتحارية هذا بالاضافة لإمكانية تعرضها لهجمات حاشدة مفاجئة من قبل وحدات عسكرية على نمط الهجمات الصينية والكورية والفيتنامية, أو من قبل الصواريخ البالستية كما فعل الواقعة حرب الخليج. وقد تكون هذه الصواريخ مسلحة برؤوس كيميائية أو بيولوجية مما يضاعف من حجم الخسائر البشرية الأمريكية. التفوق البشري وما أن يبدأ الصراع يسعى الخصوم إلى استثمار تفوقهم البشري والكمي في الأسلحة والمعدات الرخيصة والمتخلفة تكنولوجيا مقارنة بالأسلحة والمعدات الأمريكية, لتحييد التفوق التكنولوجي الأمريكي في الأسلحة والمعدات, وموازنة التفوق في قوة نيرانها. ناهيك بالطبع عن استفادتهم من مزايا الدفاع عن أراضيهم والمناطق المجاورة لها, والتي يعرفونها ويدركون مسالكها جيدا وكيفية الاستفادة من مزاياها الطبوغرافية والتي يجهلها, الأمريكيون مقارنة بأصحابها, وبما يحقق لهم النجاح في مقاومتهم للوجود العسكري الأمريكي, ويجعلون استمرار بقائه أمرا مكلفا للغاية. هذا إلى جانب سعي الخصوم بما يتوافر لديهم من أسلحة نصف حديثة إلى اطالة أمد الحملة الجوية والصاروخية الأمريكية, وبما يؤدي إلى اصابة القوات الأمريكية بالاحباط, وتآكل الدعم السياسي الخارجي والداخلي الذي يتمتع به صانع القرار الأمريكي, ويكون من هدف الخصوم تحقيق النصر بقدر حرصهم على توليد أزمة أمام القيادة الأمريكية. كل نقاط الانكشاف هذه التي تعاني منها القوات الأمريكية عند عملها خارج الحدود, ستعرض على القيادة الأمريكية التحسب مسبقا باجراءات مضادة تكرس الحماية والوقاية الكافية للقوات الأمريكية في جميع مراحل تحركها وانتشارها وقتالها لتنفيذ مهامها وحتى نهاية الحرب, وما بعدها, وذلك بهدف أساسي هو تقليص حجم الخسائر البشرية والمادية إلى أدنى قدر ممكن, حتى يمكن للتشكيلات الأمريكية المقاتلة أن تدخل حلبة الصراع المسلح وتخوضه وتخرج منه وهي متماسكة بدرجة كافية. ولأن هذا الهدف سيظل من البداية وحتى النهاية هو القاعدة الرئيسية التي تحكم سير القتال, فإنه بلا شك سيشكل قيودا على حرية القيادات العسكرية الأمريكية في اتخاذ قرارات تكتيكية وبعقوبة جريئة, وإمكانيات المناورة لهذه القوات, وبما يقلل في النهاية من فاعلية الانجاز العسكري الممكن تحقيقه خاصة عند ترجمته على الصعيد السياسي, وبما يشكل في المحصلة النهائية مكاسب محدودة أو مكاسب سياسية من الحملة الأمريكية. التغيير عند الخصوم تسعى دول الخصوم إلى تطوير وتعديل تشكيل وتنظيم قواتها العسكرية والخاصة وأساليب قتالها لتواجه عناصر القوة والتفوق لدى القوات الأمريكية, وذلك بنمط يخالف الجيوش الغربية, ويعتمد هذا التغيير بدرجة كبيرة على التمسك بذاتية هذه الدول وثقافة مجتمعاتها وبيئتها المحلية, وتعتبر النماذج الصينية والفيتنامية والكورية أمثلة تحتذى وتقتدي بها دول الخصوم في استعدادها لخوض صراعاتها المسلحة ضد القوات الأمريكية في العقد المقبل. حيث تسعى لامتلاك الأسلحة الخفيفة, وتجنب بناء التشكيلات البرية الثقيلة. ذلك أن مبدأ ( البقاء مع الفاعلية ) في مواجهة القوة النيرانية الأمريكية الساحقة تحتم على جيوش الخصوم البحث والتطوير في مجال زيادة القدرة على سرعة المناورة والانتشار والاختفاء لتأمين خفة حركة عالية في مبادئ القتال, وبما يشتت جهود القوات الأمريكية ويجهدها. لذلك يتوقع أن تتجنب جيوش الخصوم الخطوط اللوجستية المنكشفة, ومناطق تجمع الوحدات العسكرية, وإخفاء معظم الأهداف الاستراتيجية والاقتصادية تحت الأرض. وينعكس ذلك بوضوح في قائمة مشتريات هذه الدول, فبدلا من الاستثمار في طائرات قتال حديثة وقطع بحرية ضخمة, نجدها تركز معظم مشترياتها في أسلحة الدمار الشامل ووسائل ايصالها, وفي الصواريخ الخفيفة المضادة للدبابات والمضادة للطائرات, والعربات المدرعة الخفيفة المسلحة بالرشاشات الثقيلة والقواذف المضادة للدبابات, وفي لنشات الصواريخ السريعة, والالغام البرية والبحرية, وجميعها تستهدف وضع القوات الأمريكية في موضع الدفاع عن النفس. كما تجنب قادة وضباط دول الخصوم اعتماد أساليب قتال وتكتيكات الدول الغربية التقليدية, حيث يبتكرون حاليا نظريات قتال وأساليب استخدام قتالي تتفق وبيئة القتال المستقبلية, وطبيعة أراضيهم وثقافتهم ومبادئهم الوطنية, وطبيعة جنودهم, مستغلين في ذلك نقاط الانكشاف في القوات الأمريكية السابقة الاشارة لها. حرب المعلومات ويعتقد الكثيرون في الولايات المتحدة والدول الغربية المتقدمة أن التقدم الذي أحرز في مجال الحصول على المعلومات عن الخصوم, بواسطة أجهزة المخابرات المسلحة بأعقد معدات الاستطلاع وأقمار التجسس والحاسبات الالكترونية, ستشكل مصدر قوة يساعد في سرعة كشف الأهداف المعادية وضربها عن بعد. إلا أن الدراسة المتعمقة في هذه المسألة كشفت عن عدة سلبيات تتمثل في أن التدفق الهائل للمعلومات من مصادر مختلفة سيشكل عائقا في سبيل سرعة اتخاذ قرارات سياسية وعسكرية رشيدة. ذلك لأن التناقض الذي قد يصادف هذه المعلومات, بجانب سمة التنافس السائدة بين أجهزة المخابرات وأفرعها مع تعدد اختصاصاتها وتشابكها, لن يبسط عملية صنع القرار بل سيزيدها تعقيدا. هذا في الوقت الذي لايحتاج فيه الخصوم إلى هذا الكم الهائل من المعلومات, فحاجتهم منها ستكون الحد الأدنى مقارنة باحتياجات القوات الأمريكية. أضف إلى هذا أن تكنولوجيا المعلومات الحديثة, لاسيما في مجال الانترنت, ستفيد كثيرا قيادات الخصوم في الحصول على المعلومات, وإرسال أوامرهم وتعليماتهم إلى وحداتهم بدرجة أكثر سرعة وأمانا ناهيك عن نجاحهم في التأثير على الرأي العام الأمريكي والعالمي من خلال بث الرسائل التي تعبر عن وجهة نظرهم سياسيا وعسكريا إلى جانب عمليات الخداع المعلوماتي disimfarmation التي ستمارسها قيادات الخصوم ضد القيادات الأمريكية. ومن الغريب أن الشركات والمؤسسات ومراكز الأبحاث الأمريكية العاملة في مجال المعلومات, هي التي ببحوثها وتطوراتها في هذا المجال, تساعد الدول وجيوش الخصوم على الاستفادة من الثورة التكنولوجية في المعلومات, وجعل حرب المعلومات تعمل لصالحهم. خبير استراتيجي مصري