أجل.. من واجب الدول العربية ان (تشجب) مسلك تركيا الودي تجاه اسرائيل لكن في الاسبوع المنصرم قدمت تركيا نموذجا عمليا لاستقلالية الارادة والقرار بوسع الدول العربية ان تستلهم منه درسا. ولا يمكن للدول العربية بحال من الاحوال ان تدعي انها اكثر حرصا من تركيا على وشائج علاقة كل منهما مع الغرب سواء من ناحية الايديولوجية او من ناحية المصالح. مع ذلك, وخلال اسبوع واحد سددت انقرة ثلاث لطمات قوية الى دولة غربية رئيسية هي فرنسا. كانت بداية الدراما في باريس. فقد اجاز البرلمان الفرنسي مشروع قانون يؤكد على ما يطلق عليه (مذبحة الارمن).. وهي اشارة الى ملاحقة جماعية دموية للاقلية الارمنية في عهد الامبراطورية التركية العثمانية اثناء الحرب العالمية الاولى عندما اتهمت هذه الاقلية بأنها طابور خامس للاتحاد السوفييتي باعتباره احد اعضاء الحلف الذي كان يحارب تركيا. ولأن الغرب يعمد الى تصوير هذه الحادثة التاريخية وكأنها (هولوكست) تركية فإن الدولة التركية ترى في هذا التضخيم اساءة ترفضها كل قطاعات الشعب التركي بكل توجهاتها السياسية المتعارضة. وفور صدور القانون الذي اجازه البرلمان الفرنسي بشأن (ادانة المذبحة) تحركت انقرة على الفور وبسرعة اذهلت الدوائر الفرنسية. وفي تسلسل تراتبي اتخذت الحكومة التركية الخطوات التالية: أولا: استدعاء السفير التركي من باريس. ثانيا: الغاء صفقة سلاح مع فرنسا كانت على وشك الاكتمال. ثالثا: تحرك برلماني تركي لاصدار قانون مضاد للقانون الفرنسي. ان الجسارة والفورية التي اتخذت بها هذه الخطوات ليست اقل قوة من الخطوات نفسها لأن المغزى الجوهري في هذا السياق هو ان الدولة التي تحترم نفسها لا تتردد في رد الفعل القوي انطلاقا من نهج الاستقلالية عندما تتعرض الى اساءة علنية من دولة اخرى. انه مبدأ (المعاملة بالمثل) الذي يمثل احد قواعد التعامل في ساحة العلاقات الدولية على ان انقرة لم تقف عند حد المعاملة بالمثل.. بل قصدت فيما يبدو ان يكون رد فعلها تجاه فرنسا على درجة عالية من الايجاع. فإلغاء صفقة السلاح, وتقدر بمئات الملايين من الدولارات, يهدف الى الحاق خسارة مالية جسيمة بمؤسسة الانتاج الحزبي الفرنسية. هذه الخسارة المادية يضاف اليها الخسارة السياسية المعنوية التي سوف توجه الى سمعة فرنسا من خلال القانون المضاد الذي يتبناه البرلمان التركي. وكما اعاد القانون الفرنسي اذهان الاتراك الى ماض قريب في عهد الحرب العالمية الاولى فإن القانون التركي يعيد الى اذهان الفرنسيين الى ماض اقرب فيشير الى المذابح التي ارتكبتها القوات الفرنسية في الجزائر في الخمسينيات والستينيات وفي فيتنام في الثلاثينيات والاربعينيات والخمسينيات وفي رواندا في التسعينيات. فهل يراجع البرلمان الفرنسي نفسه ازاء رد الفعل التركي الموجع؟ لا يجب ان نستبعد ذلك.. فقبل البرلمان الفرنسي راجع الكونجرس الامريكي نفسه فعدل عن تبني مشروع قانون مماثل للقانون الفرنسي يدين (مذبحة الارمن) في وجه تهديد تركي صارم. ان هذا درس عملي بليغ يقدم الى الدول العربية لتدرك ان قانون تبادل المصالح يعمل في اتجاهين حتى لو كان احد طرفي معادلة المصالح دولة صغيرة في مواجهة دولة كبرى. وما اخطر وأجل المصالح الامريكية في العالم العربي. وترتيبا على المثال التركي فإنه متاح للدول العربية ان تحمل الولايات المتحدة على اتخاذ موقف متوازن ازاء الصراع العربي الاسرائيلي من خلال استقلال لعبة المصالح. فالعالم العربي سوق ضخمة لمنتجات امريكية في مقدمتها الاسلحة بأنواعها. نعم.. متاح للعرب ذلك اذا توافرت استقلالية القرار والارادة.