كانت السحب الرمادية الداكنة تستمتع بمضغ أشعة الشمس الدافئة.. تاركة العاصمة الفرنسية.. باريس ترتعش من شدة البرد.. وبدت عيون السماء حبلى بأمطار على وشك الانهيار والبكاء.. وراح البرق يعربد على هواه.. وهرع الناس الى بيوتهم خوفا من التجمد في عرض الطريق.. لكن.. كان هناك في مقهى (فوكية) الشهير في (الشانزليزيه) من راح يتحايل على هذا الطقس الرديء ويستحضر بالكلمات والحكايات شمس أفريقيا الاستوائية.. وسخونة أحداثها السياسية والقبلية والانسانية.. وراح يشيع بحديثه الدفء على من حوله واعترف أنه كان بارعا في ذلك. كنا مجموعة من المراسلين الأجانب جئنا الى باريس لنشهد لحظات ما قبل اندفاع فرنسا الى أحضان اليسار.. ولحظات ما قبل رفع الزعيم الاشتراكي فرانسوا ميتران على الأعناق في عام 1981 ولم يكن من الممكن أن نترك فرصة الحوار مع ابنه جون كريستوف تفوتنا مهما كانت درجة الصقيع.. خاصة وأنه زميل في مهنة البحث عن المتاعب.. في وكالة الأنباء الفرنسية.. وخبير في الشئون الافريقية.. وقد كان جذابا وهو يروي تجاربه الصحفية والشخصية في مصر والجزائر وموريتانيا والكونغو.. و سخنت المناقشات حتى نسينا الفريزر الذي ينتظرنا على باب المقهى. وقد أدهشني عندما راح يعلن استقلاله عن أبيه.. فهو لا يراسله ولا يسأل عنه إلا في الحالات الضرورية.. وتعجبت عندما أضاف: إنه لن يرتدي (قميصا مستعملا مهما كان أنيقا ومغريا).. ولن يسجد لأصنام لم يصنعها.. ولن يسكن في فندق لا يعجبه.. ولن يتوقف عند اشارات تجاوزها.. باختصار وعلى طريقة احسان عبدالقدوس لن يعيش في جلباب أبيه. منذ أيام.. وبعد عشرين سنة على هذا اللقاء الذي نسيت معظم ما دار فيه وإن لم أنس ملامح وذكاء صاحبه وجدتني أكاد أقفز في الهواء من صدمة ما قرأت عن جون كريستوف ميتران في الصحف وما رأيته على قنوات الأخبار.. لقد قبضوا عليه بتهمة استغلال النفوذ وقبض عمولات في صفقات سلاح مشبوهة عرفت طريقها الى افريقيا.. ونشر أن ملفاته أمام جهات التحقيق الفرنسية تصل الى 11 ملفا.. تزيد عن 15 ألف صفحة.. ولم يجد أعضاء الحزب الاشتراكي مفرا من دفع ملايين الفرنكات المطلوبة لدفع كفالته حتى يخرج من السجن.. ولم يكن ذلك سوى نوع من الوفاء لأبيه الذي غرق في الضوء حيا.. ودفن في عار ابنه ميتا.. واهتزت الحجارة من تحت جثمانه الملفوف بعلم فرنسا. إن جون كريستوف ميتران يبلغ من العمر 54 عاما.. وهو فارع الطول.. حاد الملامح.. تتفجر كلماته وتعليقاته بالسخرية.. يهتز عندما ينفعل في نقاش لا يعجبه.. كثيرا ما يردد لازمة في كلامه: (إننا لا نعيش في المدينة الفاضلة).. ولا يصعب اكتشاف ذكاؤه.. فهو واضح.. وقد كانت درجاته الدراسية مرتفعة دائما.. وهو يجيد اللغة الانجليزية.. فقد درس في بريطانيا والولايات المتحدة.. وتخرج في الجامعة وهو على عتبة العشرين.. وراح يقوم بتدريس التاريخ الحديث وكان مدمنا له على حد تصريحاته فيما بعد. كان عمره لا يزيد عن 23 سنة عندما قرر أن يعد للحصول على الدكتوراه في جذور الصراع العربي الاسرائيلي.. وأغلب الظن أن سر اختياره لهذا الموضوع أنه في عام 1970 سافر الى اسرائيل وعاش في مزرعة من المزارع الجماعية.. (كيبوتس).. وهي المزارع التي كانت شائعة في اسرائيل وكانت وراء تأييد الشيوعيين لدولة اسرائيل في البداية.. فقد تصور أنها تحقق حلم المساواة التي تدعو لها الشيوعية لقد أقنعته هناك مطلقة شابة بموضوع الدكتوراه.. لكن فيما بعد.. في الجزائر أقنعته مطلقة شابة أخرى بأن ينسى التدريس والدكتوراه ويحترف مهنة البحث عن المتاعب.. لقد كان في الجزائر لتدريس اللغة الفرنسية.. وعاش قصة حب عنيفة مع فتاة جزائرية لم يستطع الزواج بها.. ولم تستطع هي أن تلحق به الى فرنسا. بعد أن عاد الى باريس ترك التدريس وانضم الى (الديسك المركزي) لوكالة الأنباء الفرنسية.. وكان عليه أن يراجع كل تقارير مراسلي الوكالة عن افريقيا.. وهو ما منحه خبرته عن افريقيا التي راحت تنمو وتكبر.. فبعد عامين ترك (الديسك) وسافر الى افريقيا مراسلا الى الوكالة ليرى على الطبيعة ما كان يقرأه على الورق.. بدأ في موريتانيا.. وانتقل منها الى الجزائر.. والمغرب.. وتوجو.. وغانا.. وغيرها.. وفي كل عاصمة كان يهبط فيها كانت الأبواب الرسمية تتفتح له.. فقد كان اسم والده سكرتير عام الحزب الاشتراكي الفرنسي في ذلك الوقت يكفي ويزيد.. كما كانت خبرة عمه فردريك ميتران التلفزيوني اللامع على الشاشات الفرنسية والفرنكوفونية تمنحه قوة اضافية.. لكن.. مصير جون كريستوف الابن تغير بتغيير مصير الأب.. لقد جاء فرانسوا ميتران الى السلطة فكان على المراسل الصحفي الشاب أن يترك افريقيا ويعود الى باريس.. عاد من جديد الى مقر وكالة الأنباء الفرنسية مسئولا عن القسم الدبلوماسي.. على أنه سرعان ما تركه وترك الوكالة بعد أن انتقد ذات مرة رئيسا أفريقيا.. وهو ما سبب أزمة سياسية أحرجت ميتران.. فقد تصور الرئيس الأفريقي أن جون كريستوف هاجمه بإيحاء من أبيه.. فأخذ ميتران ابنه الى قصر الاليزية.. قصر الحكم ليصبح مستشارا له في الشئون الافريقية.. بمرتب لا يزيد عن 10 آلاف فرنك.. وحسب ما نشرته مجلة (باري ماتش) فإن الحزب الاشتراكي الجديد في السلطة لم تكن له علاقات افريقية قوية.. وهو ما منح جون كريستوف أهمية خاصة وما منحه أيضا فرصة للترقي والنفوذ والسيطرة داخل مؤسسة الرئاسة الفرنسية.. فقد سادت وجهة نظره في الشئون الافريقية.. وعندما اختلف وزير التعاون الدولي مع وجهة نظره أقيل الوزير.. وأصبح الابن هو المستشار الوحيد في الشئون الافريقية.. فلم يتردد سفراء ورؤساء الدول الافريقية في التعامل معه مباشرة ليكون واسطة لتوصيل الرسائل بينهم وبين ميتران حتى أطلقوا عليه في أروقة قصر الاليزية عبارة: (بابا قال لي) أو بالفرنسية (بابا ماديت). ولم يكن من الصعب ونفوذ الابن وسلطانه يتضخمان كالورم السرطاني أن يجد حوله من يزين له الفساد المالي الذي يبدأ عادة بالفساد الأخلاقي.. لقد كان أصدقاؤه يقضون الليالي الصاخبة مع النساء في فرنسا وافريقيا.. في حفلات جماعية لم تتردد الصحف في الهجوم عليها ونشر صورها وما يدور فيها.. واستغل صديقه المقرب جون بيير فلوري وهو يدير مؤسسة علاقات عامة الفرصة للحصول على الأخبار فور حدوثها.. وكان يحصل على نسخة من خطب الرئيس قبل إلقائها.. وراح يبيع ذلك الى الصحفيين مقابل أموال مغرية.. ثم حرض جون كريستوف على أن يبيع صفقة صواريخ أرض أرض الى الكونغو برازفيل كانت ستباع الى جنوب افريقيا.. وبدأت رائحة العمولات تفوح في عالم البيزنس الخفي. في ذلك الوقت كان الرئيس ميتران يحقق نجاحا سياسيا واضحا جعل الناخب الفرنسي يصر عليه ويتجاوز عن ما أشيع عن علاقاته الغرامية الخاصة.. ولم تؤثر على استقراره السياسي فضيحة اكتشاف ابنة غير شرعية له.. ولم تؤثر على صورته العامة علاقة الحب التي كان يعيشها مع امرأة كان يسافر بها في رحلاته الخاصة الى بعض الدول الافريقية التي كان يهواها ويستمتع بالبقاء فيها ولو لعدة أيام. ولم يكن ميتران يعرف بوضوح ما كان يفعله ابنه.. كان يتصور أنه لا يتجاوز المغامرات الخاصة.. لم يكن يتصور أنه يحترف الصفقات المشبوهة.. والدليل على ذلك أنه حتى الآن لم تنكشف بوضوح كل هذه الصفقات.. وإن كان ما انكشف منها كافيا للقبض عليه والتحقيق معه وتقديمه للمحاكمة. إن إحدى الصفقات المشبوهة التي كشفت هي صفقة تمت في عام 1987 حصلت عليها شركة مالية فرنسية قدمت قرضا الى ساحل العاج قيمته 400 مليون فرنك مقابل شراء محصول الكاكاو.. وقد مهد للصفقة وجهزها وكان على اتصال بكل أطرافها جون كريستوف.. وخلال عملية تنفيذ الصفقة اختفى مبلغ 195 مليون فرنك.. لم يعلم أحد عنها شيئا. على أن هناك من يصر على أن ميتران كان يعرف ما يفعله ابنه.. ويغمض عينيه عنه.. وهو ما جعله يصدر قرارا بأن يترك ابنه عمله في مقر الرئاسة.. كان ذلك في عام 1992 حين سافر جون كريستوف الى الجزائر ليصبح سفيرا لبلاده هناك.. وقد اتخذ ميتران هذا القرار بناء على نصيحة قدمها له مستشاروه الذين وصل بهم الأمر الى حد التهديد بترك مناصبهم في الحكومة وفي الحزب اذا لم يفعل ذلك.. بل والتهديد بكشف الفضائح.. والسعي الى اسقاط حكم الاشتراكيين. لكن.. إبعاد جون كريستوف الى الجزائر لم يخفض من نفوذه وقوته.. بل ربما زادهما.. فقد أصبح بعيدا عن القيود التي يفرضها قصر الاليزية.. وبعيدا عن عيون الصحافة ورقابتها.. وهو ما جعله يصبح مستشارا لإحدى المنظمات المالية السويسرية.. كانت تدفع له 30 ألف فرنك شهريا.. وبعد أن مات والده طردته من خدماتها.. واتضح أنها لم تكن هي التي تدفع راتبه الشهري.. وإنما كانت تدفعه شركة بترول فرنسية استخدمت المنظمة السويسرية في عمليات غسيل الأموال. وحسب ما نشرته مجلة (إكسبريس) الفرنسية فإن جون كريستوف أفلت عياره بعد وفاة والده.. فقد تحولت الصفقات السرية من صفقات عابرة الى صفقات منظمة.. احتلت تجارة السلا ح فيها نصيب الأسد.. لقد فقد الابن برحيل الأب ما كان يحظى به.. فراح يعتمد على نفسه وعلى علاقاته الافريقية القديمة في الحصول على ما يريد.. وتكشف مجلة (باري ماتش) كيف تورط في صفقات السلاح المشبوهة والتي كشفتها سلطات التحقيق بالصدفة البحتة. كان المحققون ورجال المخابرات الفرنسية الذين يتبعون ما يعرف بالمكتب الثاني يتابعون رجل أعمال فرنسي لم يكن فوق مستوى الشبهات.. هو بيير فالكون.. إن مجال أعمال بيير فالكون الرسمية والمعلنة فوق السطح هي ادارة الفنادق.. والمقاولات العامة.. وبيع البترول.. وتجارة الأغذية.. والمضاربة على العملات والأوراق المالية.. لكنه في الحقيقة كان يقوم في الخفاء بالاتجار في الأسلحة.. وقد أشير اليه في صفقة أثارت الشبهات لتوريد معدات أمنية للشرطة الفرنسية وإحدى شركات السلاح الفرنسية.. لم يكن طرفا في هذه الصفقة الرسمية.. لكن سيرته جاءت عندما جاءت سيرة الشركة الفرنسية وعلاقاتها التحتية بالصين الشعبية في تجارة السلاح. وعند التحقيق معه كشف عن دور شريك آخر له أشد خطورة منه هو أركادي جايداماك.. وهو روسي الأصل.. حصل مؤخرا على الجنسية الفرنسية.. يحمل أكثر من جوازات سفر من اسرائيل وكندا وانجولا.. بخلاف روسيا وفرنسا.. وتدور حوله تساؤلات تتعلق بغسيل أموال المافيا الروسية التي طفت على السطح بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسيطرت على الدعارة وتجارة السلاح وتهريب الأموال وباقي مجالات الجريمة المنظمة.. وقد استطاع أن يكون ثروة طائلة رغم أنه في الظاهر يمتلك مؤسسة للترجمة والنشر.. وبعد التحقيق معه ثبتت كل الاتهامات الموجهة اليه.. لكنه في الوقت المناسب استطاع الهرب من فرنسا قبل القبض عليه.. ولا أحد يعرف أين يقيم الآن؟ وفي أثناء فحص الأوراق والمستندات في قضايا بيير فالكون وأركادي جايداماك وجد اسم جون كريستوف ميتران ضمن أسماء شبكة العلاقات الضخمة التي تسهل صفقات بيع السلاح.. وكان في هذه القائمة أيضا أسماء بعض أصدقائه اللامعين والمشهورين من أبناء مسئولين سابقين وحاليين.. وشمت الصحف الأخبار.. وراحت تنافس جهات التحقيق في كشف الحقائق والأسرار. ولم يكن هناك مفرا من القبض عليه.. وبدأت أنباء التحقيق معه تغطي على كل شئ.. وارتفع توزيع الصحف ثلاثة أضعاف.. وانخفض الاقبال على السينما والتسوق فقد كانت هذه القضية فوق قائمة اهتمامات الفرنسيين بصورة لم تحدث من قبل. وحسب ما أجمعت عليه الصحف الفرنسية فإن جون كريستوف ميتران قد تورط هو وغيره في صفقة بيع سلاح روسي بيعت الى أنجولا على مرتين.. في 7 فبراير 1993 وفي 24 فبراير..1994 قيمتها 510 ملايين دولار.. ومرت الصفقة عن طريق فرنسا.. وخرجت منها بدون موافقة رسمية من الحكومة الفرنسية.. حسب ما يفرض القانون. وبتتبع الصفقة اكتشف المحققون أنها مرت عن طريق بنك (باري با).. وأن جون كريستوف حصل منها على عمولة قدرها 13 مليون فرنك.. أودعت في بنك سويسري.. مقابل تسهيلها في افريقيا وبنوك فرنسا التي تربطه بأصحابها علاقات ومصالح قوية.. بالإضافة الى الهدايا التي يقدمها له.. وهي بعض من الهدايا التي كان يحصل عليها.. وقد كانت هذه الهدايا تصل أحيانا الى قطع نادرة من الماس الأفريقي الشهير. وعند سؤال جون كريستوفر اعترف بأنه أخذ قروضا من بنوك فرنسية لتمويل صفقات بترول أنجولية وأن عمولاته التي حصل عليها كانت بسبب هذه الصفقة ولم تكن بسبب صفقات سلاح.. وأنكر تهمة استغلال النفوذ.. بل ولم يتردد في التعبير عن كراهيته لأبيه.. ولكن.. لم يكن ما قاله يكفي للافراج عنه.. فقد كانت الوثائق أقوى من الكلام.. وهكذا صدر قرار بحبسه..ولم يتردد أنصار الحزب الاشتراكي في التبرع له بمبلغ الكفالة وهو يقترب من نصف مليون فرنك.. وعندما خرج الى النور وجد كل كاميرات الدنيا في انتظاره.. وكان السؤال الوحيد الذي استفزه: هل هذا ما تعلمته من أبيك؟.. فقد غضب وكاد أن يلكم المراسل الصحفي الذي وجهه له. ولكنه في الحقيقة لم يوجه اللكمة الى المراسل الذي لم يخرج عن مهام عمله وإنما وجهها الى وجه أبيه الذي مات قبل أن يرى هذا اليوم.. ووجهها الى سمعة أبيه وتاريخه ومواقفه السياسية والوطنية.. إن هذا الشبل ليس من ذاك الأسد. كاتب وصحفي مصري