إذا كانت حجة الولايات المتحدة التي تتذرع بها أمام العالم لتبرير طغيانها في استمرار فرض الحصار الدولي على العراق, ان النظام السياسي فيه مازال يشكل تهديدا لجيرانه في المنطقة وتحديدا للكويت, فلماذا لا يطبق الحصار ذاته على الكيان الصهيوني باعتباره منذ قام عام 1948 وقبل ذلك بسنوات طويلة وهو لا هم له ولا هدف سوى الاعتداء على الدول المحيطة به ومبادرتهم بالحروب والمؤامرات وسلب الحقوق؟ لقد أخطأ العراق كنظام سياسي, بل ارتكب أبشع جريمة يمكن أن يرتكبها أخ في حق اخوانه وجيرانه, لكنه اعترف بخطأه, وسواء اعترف النظام أو لم يعترف, فإن الشعب هناك دفع الفاتورة عن كل أخطاء التاريخ التي ارتكبها حكام العراق منذ فجر البشرية, ومازال يدفع وسيدفع الكثير في عهد رعاة البقر الجدد. وليس جديدا على أية حال أن يبدأ بوش الابن عهده باعلان البند الأول في الميثاق الأمريكي الذي لا يمكن التراجع عنه وعدم الوفاء به وهو التعهد بالدعم المطلق لحكومة الكيان الصهيوني كما انه ليس مستغربا أيضا أن يكمل (باول) من حث انتهت أولبرايت فيما يتعلق بالسياسة الخارجية تجاه العراق, فالمزيد من التشدد وابتداع أفكار جديدة وتفعيل الوسائل السابقة للحصار على العراق هي تحديدا التعليمات الأولى التي وزعها (باول) وزير الخارجية الجديد على موظفي الخارجية الأمريكية في بداية عهده باعتباره عربون السداد الأول لأقساط طويلة المدى ستسددها الحكومة الأمريكية الحالية لزعماء اليهود وأثريائهم الذين ساهموا في انجاح حملة الرئيس بوش الابن. ومع انه قالها بشكل صريح بأن الحصار والعقوبات الأمريكية المفروضة على العراق ما هي إلا برهان آخر على الغطرسة الأمريكية وبأنها تمارس بشكل خبيث, إلا ان (باول) لم يستطع ولن يستطيع يوما أن يغرد خارج السرب, فعاد آمرا بتشديد الحصار واجراء مراجعة سريعة وواسعة للعقوبات الاقتصادية من أجل تفعيلها. إلى أين يريدون الوصول بالعراق رعاة البقر هؤلاء؟ وما ذنب شعب العراق إذا كانت إسرائيل وأمريكا قد رضعتا من ثدي واحدة منذ الأزل, وإذا كانت أمريكا تشبه اسرائيل في عقيدة اجتثاث الآخر من أجل البقاء, فإن شعب العراق كان منذ الأزل في العراق, ولم يغتصب حق غيره, ولم يجتث الآخرين لأجل أن يبني دولته وحضارته, فإذا ابتلي بأنظمة جائرة ومتغطرسة فهذا ابتلاء تعيشه شعوب كثيرة على امتداد الكرة الأرضية لكنها لم تدفع كما دفع العراقيون على مدى عقود من حكم أنظمة دكتاتورية ممتلئة بداء الغطرسة وجنون العظمة. العراق يتوسع ويهدد جيرانه ويمتلك أسلحة دمار شاملة وأسلحة بيولوجية محرمة, والكيان الصهيوني مؤسس على عقيدة قتل الآخر واغتصاب حقه ويمتلك أضعاف ما لدى العراق من أسلحة دمار شامل وأسلحة بيولوجية محرمة ثبت استخدامها خلال الانتفاضة الأخيرة وخلال حرب لبنان وفي الجنوب وفي كل الغارات الهمجية على الدول المحيطة وخاصة على لبنان, ومع هذا, فالعراق يحاصر ويعاقب والكيان الصهيوني يدعم ويدلل ويساند, والسبب ان العراق القوي المسلح حالة سياسية عربية موازية للخطر الأكيد على اسرائيل والمصالح الأمريكية والغربية, أما الكيان الصهيوني بكل قوته التدميرية وتهديده لجيرانه فهو أيضا حالة سياسية برغم شذوذها وتهافتها إلا انها الرمز الحي والحارس الأمين للمصالح الأمريكية وأول هذه المصلحة زعزعة الأمن في المنطقة والحيلولة دون تكون وحدة عربية أو ظهور أي قوة أو قطب عربي يعيد للأذهان اسطورة الوحدة الإسلامية والعربية منذ أيام الفتوحات الإسلامية وانتهاء بالوحدة المصرية ــ السورية!