أثبتت تجارب الحياة, في كل منزع من منازعها, وفي مختلف دروبها ومسالكها, ان اية مؤسسة مدنية او عسكرية, سواء منها الاسرة او المدرسة او الجيش او الامة او غيرها, لا يمكن ان يقيض لها الاستقرار وانتظام العمل وفعالية المردود, الا اذا كان على رأسها قائد يسوسها, او سلطة تدير شئونها, او هيئة عليا تنظم اعمالها. وما لم يتوافر هذا الشرط, فإن الامور تكون مرشحة للتخلخل والتسيب والانفلات. وبتعبير آخر, فإن كل خلية اجتماعية تحتاج الى يد طويلة تهيمن عليها حتى تستتب اوضاعها, وإن كان الباب في هذه الحالة, لا يبقى مغلقا, بصورة كاملة امام حدوث خروج على النظام. فإذا كان هذا وضع الامم او الاسر او الجماعات او المنظمات, كيف اذن يكون المصير عندما يتعلق الامر بعالمنا الكبير الذي يعج بمئات الدول؟ اننا نشهد فيه الآن, كما شهدنا في الماضي, ونتمنى الا نشهد في المستقبل, نزاعات مريرة تنشب مخالبها الحادة المفترسة هنا او هناك, وحروبا ضروسا تكشر عن انيابها في هذا المكان او ذاك, وحوادث قتل واعتداء تفتك بالضحايا والابرياء دون رحمة او شفقة. فهل يمكن ترك الحبل على الغارب, والسماح للأقوياء بابتلاع الضعفاء, او هضم حقوقهم, وهل يجوز ان ندع الشعوب تتورط في مواجهات مسلحة تسفر عن هلاك البشر وتسميم البيئات واستنزاف الموارد وهدر الطاقات وتراكم الاحقاد؟ لا شك ان من الضروري وجود سلطة عليا, نزيهة وقادرة على التحرك في نطاق اعم من البيئات المحلية, ويتسع نفوذها ليشمل كل بقعة من بقاع الارض, وبتعبير آخر, لابد من توافر مؤسسة كبرى منصفة لا تعلو عليها قوة اخرى, لتشرف على شئون العالم وتملأه برعايتها. ويجب ان يكون من حق هذه المؤسسة ان تتدخل في اي مكان تفلت فيه الامور وتنطلق نيران الفوضى من عقالها, دون ضابط. وقد يقول قائل ان المؤسسة المذكورة قائمة بالفعل, وتمثلها هيئة الامم المتحدة. ونرد بأن هذه لم تستطع حتى اليوم ان تقوم بدورها على خير وجه, على الرغم من بعض خدماتها المهمة, بدليل ما يعم كوكبنا الارضي من خلل واضطراب. ومن جهة ثانية, قد يذهب آخرون الى القول بأن النظام العالمي الجديد, برئاسة الولايات المتحدة الامريكية, يتولى الآن قيادة العالم ومنع هبوب رياح الفوضى العاتية. ونرد مرة اخرى, بأن هذا النظام لم يفلح بعد في التحكم بكل مجريات الامور, وسد جميع الثغرات, وإن كان قد احرز نجاحات جزئية في محاصرة بعض البقع الملتهبة واطفاء عدد من الحرائق في هذا المكان او ذاك. ويحق لنا بالطبع ان نتساءل عن اسباب فشل هيئة الامم المتحدة والنظامين العالميين القديم والجديد, في تحقيق استتباب الامن والاستقرار في ربوع كوكبنا الارضي المترنح. وللاجابة عن ذلك نقول إن الامور في طبيعتها معقدة ومتشابكة والانانيات الفردية والدولية مستشرية, والمصالح متناقضة, مما يجعل الكثير من المشكلات القائمة عسيرة وعصية على الحل وقابلة للتفجر. وهو امر يلقي بظلاله الكئيبة على اوضاع العالم ويحول دون استقراره وسيره في الطريق الآمن. لابد اذن من البحث عن حلول مبتكرة جديدة وغير مسبوقة. وربما يكمن بعض الحل في انشاء حكومة عالمية عادلة تتسلم صولجان السيادة وتكون بمثابة معتصم تعتصم به الامم, وملاذ يلوذ به كل من يحيق به ظلم او يحاصره عدوان. ولابد ان تتمتع هذه الحكومة بسلطة كافية, لا ان تكون مجرد بوق صارخ في البرية. وطرحنا الجديد يعيد الى الاذهان مسألة العولمة والعالمية. فهل المطلوب من الحكومة المقترحة ان تطبق مفهوم العولمة, ام ان تشكل عاملا مكملا لها, ام بديلا عنها؟ ليس من السهل ايجاد اجوبة حاسمة عن مثل هذه التساؤلات, لأن الامور كلها ما زالت في اطوارها البدائية. وهناك شوط طويل لابد من قطعه, قبل نضوج المفاهيم والمقترحات الجديدة. ولكن المهم الدعوة الى توافر سلطة قادرة على تحقيق درجة معقولة من الاستقرار والعدالة في العالم, ايا كانت هذه السلطة. وعندما يتطور اداؤها, يمكن ان ترتقي مهامها وادوارها, لتشمل تحسين مختلف ظروف حياة البشر, مثل القضاء على الفقر وحل مشكلات الحروب ونشر الديمقراطية وغير ذلك. والى ان تقوم مثل هذه السلطة المقترحة, التي يعد قيامها من اصعب المشكلات, يجب العمل على تطوير الامم المتحدة حتى تصبح اكثر نزاهة واعظم قدرة على اداء مسئولياتها بمعزل عن مصالح الدول الكبرى. ومن المعروف ان الجمعية العمومية للأمم المتحدة اكثر نقاء وصفاء من مجلس الامن, لأنها تضم جميع اصوات دول العالم التي اختارت لأعلامها هذا المنبر العادل الموحد. ولكن للأسف, فإن صلاحياتها وسلطاتها الفعلية محدودة للغاية, وتكاد تقتصر على النواحي المعنوية والاجرائية. اما مجلس الامن فصلاحياته واسعة, ولكنه وقع فريسة لعبة المصالح والاهواء التي تمارسها الدول الكبرى, وان كنا لا ننكر قيامه ببعض الادوار الانسانية والمفيدة, هنا او هناك. ولعل من المفيد هنا ان نشير الى محكمة العدل الدولية التي يقع على عاتقها اصدار الفتاوى والاحكام بشأن النزاعات العالمية الكبرى, ولكنها تشكل مجرد عامل مساعد, لأن سلطتها ضيقة جدا. خلاصة القول, ان عالمنا المعاصر الذي يموج بالنزاعات ويعج بالاضطرابات, اصبح اليوم, اكثر من اي وقت مضى بحاجة الى منظمة دولية واسعة النفوذ, وقادرة على التدخل السريع, في اي وقت تفلت فيه زمام الامور, وتتعاظم الاخطار, ويصبح فيه مصير امة ما على شفا الهاوية. ولكن العقبة الكأداء في هذا المجال, تتمثل بإيجاد مقياس ثابت وصحيح يكفل النزاههة والحياد. ففي حياتنا المعاصرة, وفي ظل التهالك على المصالح, نجد ان كل طرف يزعم ان الحق بجانبه, وأن الطرف المقابل هو المعتدي. فكيف يمكن الوصول الى الحقيقة وبالتالي تحقيق العدالة والانصاف؟ الجواب يكمن في السعي الحثيث لايجاد مقاييس ومرجعيات للحكم النزيه. وهو امر غاية في الصعوبة. ولابد اخيرا من التنويه بأنه في حالة قيام سلطة عالمية غير منصفة, فإن اضرارها ستكون حتما اكبر بكثير من فوائدها, لأن من المحتمل ان تتدخل هذه السلطة عند اندلاع نزاع ما لصالح الطرف المعتدي, فيتعاظم الظلم ويتفاقم العدوان, وتصبح العدالة في خبر (كان). كاتب سوري