كيفما نظرنا للسياسة الخارجية الجديدة التي ستتبعها الادارة الامريكية الجديدة, فالرئيس بوش يواجه الآن تحديات كبرى داخلية وخارجية لن يستطيع الامساك بسهولة بخيوطها. فأهداف الادارة الامريكية العالمية متداخلة وستثير الكثير من ردود الفعل والتصارع مع قوى دولية رئيسة. وبالرغم من ان اختيار بوش لفريق قوي ذي مقدرة للتعامل مع السياسة الخارجية الا ان هذا لا يقلل من درجة المخاطر والمصاعب التي ستواجه هذا الفريق في المرحلة المقبلة. لنأخذ مجموعة من الامثلة, فمع روسيا ستواجه الولايات المتحدة مزيدا من التناقضات, وذلك؛ لصعوبة اقناع روسيا بمنظومة الصواريخ التي تسعى الولايات المتحدة لتطويرها, وستشكل هذه المسألة نقطة احتكاك بين البلدين. بل قد تؤدي منظومة الصواريخ الامريكية الجديدة بكل من روسيا والصين الى سباق تسلح جديد مع الولايات المتحدة. ولهذا قد تبرز ردة الفعل الروسية من خلال دعم اكبر لايران في مجال التسلح, ومن خلال تأييد اكبر لرفع العقوبات عن العراق, وقد تصعد روسيا من موقفها في مجالات دولية اخرى. ولكن نقطة ضعف روسيا الرئيسية تعود الى اقتصادها الضعيف وسعيها لدور امريكي في اعادة ترتيب اقتصادها وتخفيف ديونها وجذب الاستثمار المطلوب. في هذا المجال ستقع مساومات روسية مع الولايات المتحدة. اما مع الصين فقد وعد بوش بدعم تايوان وبيع اسلحة رئيسية لها, وهذا سيضع الصين في موقف دفاعي وسلبي تجاه الولايات المتحدة. كما ان السعي لبناء منظومة صواريخ دفاعية وهجومية جديدة سوف تجعل الصينيين في مواقف صدامية اكثر الولايات المتحدة. ولكن نقطة ضعف الصين الآن انها ستنضم هذا العام لمنظمة التجارة العالمية بكل ما يعني ذلك من حاجتها لتطوير اسواقها وجذب الاستثمار الخارجي. ولكن نقطة ضعف الولايات المتحدة تجاه الصين هي حاجة الولايات المتحدة للسوق الصيني المكون من اكثر من مليار نسمة. وهنا سيتم البحث عن معادلة جديدة بين الصين والولايات المتحدة. وعلى صعيد القارة الاوروبية نجد ان العلاقة الامريكية الاوروبية تتأثر بالخلافات الامريكية الفرنسية حول الدور الامريكي في اوروبا. وهناك خلاف امريكي مع فرنسا على دور الناتو في كافة الترتيبات العسكرية والامنية الاوروبية. وسيستمر الموقف الامريكي في سعيه لتقوية الناتو واعتباره اساس الترابط الاوروبي الامريكي. لكن نقطة ضعف اوروبا تقع في خوفها من الدور الروسي الاكبر في المستقبل, وخوفها ايضا من حروب شبيهة بحرب البلقان, وضعفها الاقتصادي والاداري والتكنولوجي نسبة للولايات المتحدة. وهذه العوامل تبقى ترابطها المتبادل مع الولايات المتحدة. وعلى صعيد اليابان يبقى السؤال هل تلتزم الادارة الامريكية الجديدة بتقوية علاقاتها مع اليابان كما سبق واعلن بوش ابان حملته الانتخابية؟ ولكن ماذا تستطيع الولايات المتحدة ان تقدم لليابان لتحريك الاقتصاد الياباني المتراجع, وماذا تستطيع الولايات المتحدة ان تقدم ايضا امام اطروحات تخفيف او سحب اعداد كبيرة من 47 ألف جندي امريكي في اليابان. ونتساءل كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع الهند وباكستان والخلاف القديم حول كشمير وآفاق اندلاع صراع مسلح بين دولتين نوويتين. اما في كوريا فتواجه الولايات المتحدة تحديا كبيرا حول آفاق توصل جنوب كوريا لاتفاق وحدة مع شمال كوريا. اما في العراق حيث لم تنته الحرب وهناك مواجهات يومية فوق سماء العراق, فالدول العربية ليست مع الحلول العسكرية, كما ان الشارع العربي يتعاطف ورفع العقوبات التي تصيب الشعب العراقي, كما ان الولايات المتحدة لن تتراجع عن موقفها في منع العراق من السيطرة على المال الناتج عن بيع النفط. وسنجد ان فرنسا وروسيا والصين سوف تزداد تميزا في موقفها الداعي الى رفع العقوبات. اما الصراع العربي الاسرائيلي وآفاق مزيد من الاشتعال في الانتفاضة, والانتخابات المقبلة في اسرائيل فتشكل تحديات جديدة للادارة الجديدة, وبالوقت نفسه ان سوريا والجولان امر قد تلتفت اليه الادارة الجديدة. ويبدو ان كولن باول سوف يحاول وضع الصراع العربي الاسرائيلي والوضع مع العراق ضمن تصور استراتيجي واحد, وسوف تحظى منطقة الخليج بمزيد من الاهتمام, وهذا مرتبط ايضا بالاهتمام بأسعار النفط واثرها على الاقتصاد الامريكي. وستبقى الكثير من الاسئلة عن الشرق الاوسط, فأين هي اولويات الولايات المتحدة في الشرق نسبة لأولوياتها العالمية وهل ستركز الولايات المتحدة على ابن لادن ام العراق ام النفط ام السلام ام مساعدة اصدقائها في العديد من الدول العربية. ام ايران, ام كل هذا؟ وماذا عن السياسة الامريكية تجاه افريقيا القارة السوداء التي تزداد فقرا وتنتشر فيها عدة حروب اهلية اضافة لانتشار وباء الايدز؟ وماذا عن امريكا اللاتينية القاعدة الخلفية لامريكا والتي وعد بوش العمل على رفع درجة الاهتمام بها؟ ففي امريكا اللاتينية حروب على المخدرات واوضاع اقتصادية تتطلب الاهتمام بما في ذلك اثر الاقتصاد على معدلات التهريب والهجرة للولايات المتحدة. في كل هذا مسئوليات دولة كبرى لديها قدرات كبيرة واقتصاد عالمي في عالم تزداد خيوطه تشابكا وتزداد خيوطه كثافة. ولكن كثرة المسئوليات وتشعبها في العالم, وضراوة المفاجآت المقبلة قد تجعل الكثير من الاهداف الامريكية في السياسة الخارجية ممكنة التحقيق في ظل مساومات حقيقية مع قوى دولية واقليمية, وهذا يضع قيودا كثيرة على السياسة الخارجية الامريكية. وبالوقت نفسه سيكون من الطبيعي ان نتساءل كيف ستضع الولايات المتحدة اولوياتها واين ستجد نجاحها واين ستتفادى الفشل واين تستقر في توازن جديد لسياستها الخارجية وأخيرا اين سترسم خطا في الرمال؟ استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت