ثمة بصيص ضوء عند نهاية النفق. ولو ركزت بغداد بصرها لرأته. هو خافت. لكنه بصيص ضوء في كل الاحوال. فماذا جرى؟ انه اقتراح صادر عن حكومة بريطانيا من الممكن ـ اقول (من الممكن) وليس حتما ـ ان يفتح طريقا لرفع العقوبات عن العراق خلال حيز زمني وجيز نسبيا. العقبة الرئيسية الكأداء التي تحول دون رفع العقوبات هي مسألة استئناف التفتيش الدولي على اسلحة ومواد الدمار الشامل في العراق وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1284. والرفض العراقي الكامل لهذا القرار هو الذريعة التي تمسك بها الولايات المتحدة بكلتا يديها لابقاء العقوبات الى اجل غير مسمى. فالقرار يربط (النظر) في رفع العقوبات بانصياع السلطات العراقية للجزء الآخر من القرار الذي يطالبها بالسماح بعودة فرق التفتيش الدولية لاستئناف عملها. ونظريا يشرع مجلس الامن بالنظر في رفع العقوبات بعد ان تفرغ فرق التفتيش من مهمتها تماما فترفع تقريرا نهائيا بنتائج عملياتها التفتيشية الى المجلس. هذا من الناحية النظرية. لكن على صعيد التطبيق العملي قد يختلف الامر. فما تخشاه بغداد ـ اتعاظاً من تجربة التفتيش السابقة ـ ان الفرق الدولية قد تكون متحيزة اصلا ضد العراق بايعاز امريكي فلا تتقدم الى مجلس الامن الا بتقرير سلبي وراء تقرير سلبي في كل مرة بحيث يستحيل على المجلس النظر في امر رفع العقوبات. وهكذا يبقى العراق رهن الحصار الاقتصادي الى الابد كما تريد واشنطن. ومن هنا نفهم لماذا ترفض بغداد القرار 1284. الان يطرأ جديد من خلال الاقتراح البريطاني. فوزير الدولة في وزارة الخارجية البريطانية بيترهين الذي ورد الاقتراح على لسانه قال هذا الاسبوع انه لا يتحتم على العراق قبول القرار 1284 ككل دون استيضاح (اسلوب وعمل فرق التفتيش على الاسلحة من ناحية ودون الحصول على الايضاح اللازم بشأن اجراءات التفتيش. واضاف هين قائلا بالحرف: (ان السبيل يكمن في عودة مفتشي الاسلحة وفي تعليق العقوبات. ويمكن ان يتحقق هذا في غضون 180 يوما من السماح بعودة مفتشي الاسلحة). بكلمات اخرى تقترح لندن ان يتخذ مجلس الامن الدولي تدابير جديدة بشأن اسلوب وعمل واجراءات فرق التفتيش بما يجعل عملها اولا, ذا شفافية حتى لا تتكرر تجربة التفتيش الخداعي السابقة, وثانيا ان تحدد سلفا فترة زمنية لتنهي الفرق عملها نهائيا.. ولهذا الغرض يقترح الوزير البريطاني ستة أشهر كحد اقصى. واذا كانت الحكومة البريطانية تستخدم بشأن العقوبات في هذا السياق كلمة (تعليق) عوضا عن كلمة (رفع) او الغاء بما قد يوحي ان (التعليق) ربما يكون مؤقتا, فلنستذكر ان هذا اقتراح يعرض للمرة الأولى, ولم يقدم بعد الى مجلس الامن الدولي للنقاش. هو اذن مطروح كأساس للتفاوض. وعندما يطرح فعلا للتفاوض فإن بوسع العراق وحلفائه من القوى الكبرى في مجلس الامن ـ فرنسا وروسيا والصين ـ ان يتقدموا باستيضاحات او تعديلات بما يمكن ان يزيل اي لبس, وعلى سبيل المثال فإنه سيكون متاحا للعراق وحلفائه الدوليين تعديل الفترة الزمنية لرفع العقوبات من ستة أشهر الى ثلاثة او اربعة أشهر مثلا. وفي تقديري ان الحكومة العراقية ينبغي ان تفكر في قبول هذا الاقتراح البريطاني من حيث المبدأ كأساس جديد للنقاش حول رفع العقوبات على خلفية مناخ دولي وعربي متنام لصالح العراق الشقيق. ولا احب ان اراهن. لكن اقول ان مجرد قبول بغداد ولو مبدئياً باقتراح صادر عن قوة كبرى تعتبر الحليف الاول للولايات المتحدة سوف يصيب واشنطن بحرج دولي بعد ان ينزع عنها ذريعة التمسك باستمرار العقوبات ضد العراق.