العولمة بمعناها الذي وضعته الشركات العابرة أو المتعددة الجنسية كانت نتيجتها تقليص نفوذ الحكومات الوطنية داخل الأراضي التي تمارس فيها نفوذها, وحل محله نفوذ تلك الشركات، التي أصبحت بالتالي تملك مفاتيح البوابات الرئيسية التي تنفذ منها تلك السلطات إلى شعوبها, وأولها الاقتصاد, ومع هذا التحول الذي يجد من يدعو إليه بقوة العديد من المنظرين (العولميين), بل ومن الساسة الذين يجلسون على كراسي السلطة في الدول الصناعية المتقدمة, تحول أيضا إلى استخدام اللغة تنفيذا لمقولة (لكل عصر لغته), لكن (عصر العولمة) ذهب إلى أبعد مدى ممكن. كانت لغة الحكومات الوطنية التقليدية معروفة لنا جميعا ومفهومة من العامة, لأنها لغة تتراوح عادة ما بين لغة السياسة, الهادئة أو المُهددة, ولغة الحرب, بين الكر والفر, وأحيانا تكون خليطا من هذا وذاك, فقد كان الساسة يستخدمون تعبيرات (المبادئ) أو (المثاليات) أو (الأيديولوجية), التي كانت تعتبر أساس العمل السياسي الذي يتحرك ممارسو السياسة في إطاره باعتبارهم حملة أفكار ومثاليات يتوقون إلى تطبيقها, أو لغة الحرب عندما تواجه بلادهم ظروفا خارجية عصيبة, فيهددون أو يميلون إلى المهادنة للوصول إلى الهدف المنشود. من هنا كان الحديث عن (المواجهة) أو (وضع الاستراتيجيات) أو تعبيرات مثل (وزارة الحرب) أو حتى (وزارة الدفاع), من التعبيرات التي يتناولها حديث السياسي أو ممارس السلطة, تعتبر تعبيرات عادية لأنها تعبر عن أفكار من يمارسون العمل السياسي في بلادهم ويتطاحنون من أجل الوصول إلى السلطة لتنفيذ برامجهم الانتخابية التي هي في النهاية قائمة على أسس ومبادئ متداولة في اللغة بالمعنى والدلالة. جاءت هذه اللغة إرثا تاريخيا لممارسي السياسة والسلطة منذ قديم الزمان, وتطور الحياة وما تبعه من تطور اللغة لم يغير منها شيئا, سوى تغيير في أسماء الأدوات المستخدمة لتنفيذ تلك المبادئ أو المثاليات, استمرت هذه اللغة قائمة وازداد استخدامها خلال الحربين العالميتين وخلال الحرب الباردة أيضا. بعد سقوط حائط برلين وتربع الولايات المتحدة على كرسي حكم العالم أجمع, ومن خلفها أوروبا الغربية, مجتمعة أو منفردة, تدعمها لتنفيذ سياسة السوق المفتوحة وفرضها على أنظمة الدول الأخرى, بغض النظر عن توجهها الأيدلوجي, لأن هذا (زمن العولمة) بعد أن (سقطت الأيدلوجيات), ولم يعد هناك مكان سوى للشركات العابرة للحدود أو القارات, أو الشركات المتعددة الجنسية, التي تعتبر المحرك الحقيقي للأنظمة التي تدعو إلى تلك العولمة, التي تسمح لها بالسيطرة, بل وتتنازل لها عن نفوذها الوطني مقابل أن تدعم تلك الشركات السياسات التي تحاول تنفيذها تلك الأنظمة. بل أن تلك الشركات أصبحت تتدخل في اختيار هذا الحزب أو ذاك ليتولي السلطة, بغض النظر عن شعاراته, لأن الجميع في النهاية ينفذون ما يخدم مصالح تلك الشركات, ولا يخفى على أحد أن الرئيس الأمريكي, أي رئيس أمريكي, لا يستطيع لا هو ولا حزبه الإنفاق على حملات الدعاية الباهظة التكاليف, وإنما يعتمد ذلك على قدرة كل مرشح وحزبه على جمع المال والتبرعات من الشركات المعروفة بمصالحها. والفضائح المالية الأخيرة للسياسيين وممارسي السلطة, التي تكشفت خلال السنوات العشر الأخيرة, التي لا تكاد دولة في أوروبا الغربية تخلو منها, من ألمانيا هيملوت كول إلى فرنسا ميتران, ومن إيطاليا برلسكوني إلى إسبانيا فيليبي جونثالث وخوسيه ماريا أزنار, وهكذا دواليك, تؤكد أن تدخل الشركات الكبرى في اختيار لون الحكم في الدول (الديمقراطية) أمر بديهي ولا شك فيه, وفي ذلك لا تكاد تختلف دول أوروبا الغربية عن الولايات المتحدة صاحبة السلطة التنفيذية العالمية في هذا الشأن, ومحركة (العولمة) في العالم أجمع. سقوط الايويولوجيات سمح لتلك الشركات الكبرى أو العابرة أو المتعددة الجنسية أن تقدم أحيانا الدعم المادي للمرشحين الرئيسيين للرئاسة, لأن اختيار أحدهما دون الآخر لن يغير من الأمر شيئا, لكل حزب برنامجه الانتخابي الذي يحتاج إلى دعم لتنفيذه, وهذا التنفيذ يتوقف على مدى إمكانية المادية التي يملكها وإلا فإنه يظل شعارا لحملة انتخابية قادمة, لذلك لن يكون هناك سوى فارق الشعارات في تفريق بين أي برنامج عن آخر. سيطرة الشركات المتعددة الجنسية على ممارسي السلطة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية صاحبه أيضا اختفاء شبح الحرب من تلك الدول, حيث لا توجد دولة أوروبية غربية وفي الولايات المتحدة دولة مهددة بحرب فعلية على أراضيها, بل انتقلت الحروب إلى أراض بعيدة عن أنشطة الأنظمة المروجة للعولمة الاقتصادية. حتى الحروب التي وقعت خلال السنوات الآخرة في أوروبا كانت في بقايا ومخلفات الدول الشمولية, التي تعمل العولمة على تحطيمها, لتقيم على أنقاضها دولا تابعة, أو دائرة في إطار الفلك السياسي الدولي الجديد ,الذي تقبل فيه السلطة الوطنية تقليص نفوذها لصالح تلك الشركات. بتقليص نفوذ ساسة تلك الدول الذين سلموا قياد شعوبهم لشركات العولمة, لم يعودوا في حاجة إلى استخدام اللغة القديمة, فتركوا تلك اللغة للشركات نفسها باعتبارها المسئولة عن تنفيذ الخطط الرامية إلى اشاعة الحروب لتدمير الأعداء, سواء في حرب حقيقية أو حرب وهمية, من هنا أصبح الساسة يتحدثون بلغة أقرب إلى (لغة المضاربة في أسواق الأوراق المالية), فأصبحت الحروب في لغة الساسة الجدد في زمن العولمة مجرد (عمليات إنسانية) كما حدث في الصومال وجنوب السودان, أو أفغانستان. كما تحولت العمليات العسكرية إلى (عمليات للحفاظ على السلام), وتحت مدلول هذه اللغة كانت حرب الخليج الثانية, وحرب البلقان, وحتى حرب الشيشان, بل يمتد هذا التشبيه إلى الحروب الأهلية في أفريقيا التي تدعمها دول غربية تؤمن بزمن العولمة, لأن كل هذه الحروب تدخلها القوات الأمريكية وقوات دول أوروبا الغربية تحت راية (الأمم المتحدة), وباسم (الحفاظ على السلام)(!). وتحول في هذه اللغة الجديدة التي يمارسها سياسيو زمن العولمة اسم (وزارة الحرب) إلى (حقيبة الدفاع), التي لا فارق بينها وبين حقيبة المالية أو الرياضة والشباب, بل ويتولاها مدني معروف بميوله إلى الحوار والسلام (؟!). من ناحية أخرى نجد أن لغة السياسة القديمة ذهبت لتحل محل لغة الشركات في عمليات الإنتاج والترويج والمضاربة, فاصبح رؤساء مجالس إدارة الشركات يستخدمون لغة الحرب والسياسة في حديثهم عن العمليات التي يديرونها في الترويج لمنتجات شركاتهم. حتى تحول تعبير تجاري بحت كان قاصرا على لغة المال مثل (فتح أسواق جديدة) إلى تعبير (غزو الأسواق) وكان الشركات في حاجة إلى جيوش وعتاد وسلاح لتفتح الأسواق الجديدة في غزو مسلح, وليس دخول الأسواق في منافسة شريفة مع شركات أخرى. بل تحول مسئولو الشركات إلى استخدام لغة فاشية موروثة عن موسيليني وهتلر وستالين, واصبح من الأمور البديهية سماع مسئول إحدى الشركات يتحدث بتعبيرات مثل (الزعامة) أي السيطرة على الأسواق, وربما كانت هذه اللغة بالتحديد الدافع وراء قيام بعض الجامعات العريقة المعروفة بجديتها إلى استخدام تلك اللغة بمدلولها نفسه الذي تستخدمه الشركات حاليا, فنجد جامعة (هارفارد) تنشئ كرسيا خاصا تحت اسم (كرسي الزعامة), وهي لا تقصد بالطبع الزعامة السياسية, بل الزعامة الاقتصادية التي تساوي الزعامة السياسية عندما كان للسلطات الوطنية صلاحيات مطلقة في حكم أوطانها, لأن هذا الكرسي الدراسي يكرس لدراسة (الزعامة الاقتصادية والتجارية). دخلت لغة السياسة القديمة أيضا عوالم الشركات الصناعية, أصبحت تلك الشركات تضم أقساما تحمل أسماء مثل (لجنة الاستراتيجية), التي ترسم سياسة الشركة في الترويج والدعاية, و(غزو الأسواق الجديدة), بل وأصبحت أقسام معينة بالشركات تخطط للقيام بعمليات (سرية) تشمل التخطيط والتنفيذ في سرية تامة للدعاية لمنتج (جديد) غير معروف في الأسواق, بعد أن أصبحت (عمليات التجسس) الصناعي من الأمور الطبيعية بين الشركات وبعضها البعض. التقدم بعروض عامة تهدف إلى سيطرة شركة كبرى على شركة أصغر كانت تتم في الماضي من خلال أسواق الأوراق المالية, وعلى الشركة الراغبة في البيع أن تناقش تلك العروض وتقبلها أو ترفضها في هدوء, ولا من شاف ولا من دري, أما اليوم فان تلك العروض أصبحت تواجه عروضا مقابلة, تحاول رفع السعر إلى أعلى حد لا يمكن معه لمن يريد الشراء أن يقبل به, وأصبحت تلك العروض المقابلة تسمى (عرض مضاد), وكان الأمر يتعلق بهجوم مضاد لرد جحافل الأعداء الذين تجرءوا على عبور الحدود واقتحام حرمة الملكية الخاصة بالشركة. إذا كان السياسيون لم يعد يعنيهم العامة باعتبار أن وسائل الإعلام قادرة على القيام بالدعاية لهذا البرنامج السياسي أو ذاك, فقد احتل مديرو الشركات مقاعد الساسة, وأصبح المدير الناجح هو (المدير الديمقراطي) الذي (يعيش بين مرؤسيه), مع أنه من المعروف أن رأس المال لا يهمه الديمقراطية في شئ, كل ما يهمه تحقيق أكبر ربح في أقل زمن ممكن. العولمة بسبيلها لتغيير كل شئ حتى يمكن فهم عكس الدلالة في اللغة, بعد أن فقد كل طرف في تلك المعادلة دوره وبالتالي فقد لغته ودلالتها. كاتب مصري مقيم في أسبانيا.