يبدو أن الحديث عن التجاوزات المختلفة التي تحدث في مؤسساتنا ودوائرنا, سيأخذ مساراً آخر بعد الضجة الأخيرة التي أثيرت بشأن المساكن الشعبية والتي شغلت قيادات وزارة الإسكان وعلى رأسها الوزير نفسه, وكل رجال الصحافة والإعلام باعتبار حساسية القضية وخطورتها, وبالتأكيد فإنها كانت الشغل الشاغل لكل أفراد مجتمع الإمارات من أقصاه إلى أقصاه. والحقيقة أن القضية بدأت بشكل هادىء وبحوار قانوني ديمقراطي ومنفتح تحت قبة المجلس الوطني منذ أسبوعين, بين وزير الإسكان وبعض أعضاء المجلس وأبرزهم العضو المحترم (أحمد بن لحة) لكنها خرجت فيما بعد عن مسارها وبشكل حاد جداً شكَّل ما يشبه المنعطف شديد الانحدار عندما تناولتها الصحافة بطريقة مثيرة جداً, وبسيناريو وضعته أطراف مختلفة للوصول إلى غايات متفاوتة, ومعروف انه ليس كمثل الإعلام جهاز خطير يمكن توظيفه لتحقيق مختلف الغايات ولإحداث مختلف التأثيرات في المجتمع! وبعد الضجة الكبيرة التي احتشد لها الجميع, وصلت القناعة بالبعض ان المشكلة الأزلية المتعلقة بالإسكان ستحل وللأبد! خاصة بعد المؤتمر الذي أعلن أن الوزير سيقابل فيه العضو المحترم للبت في أمر الأدلة ما ذكّرنا بقضية مشابهة تبنتها الصحافة ذات يوم بشأن (أدلة) أيضاً تتعلق بوزارة الصحة! وفي كلا الحالتين (حالة الصحة والإسكان) انتهى أصحاب (الأدلة) بالتراجع وخسارة القضية أمام الرأي العام وبشكل مدوٍ! فمؤتمر الإسكان بدأ بتراجع (بن لحة) ثم سار بطريقة أشبه بالمسرحية التي فاجأت الجميع وعلى رأسهم أهل الصحافة طبعاً, ثم انتهى المؤتمر بمشاهد معتادة أتذكر أنني شاهدت ما يشبهها في أكثر من فيلم عربي فاشل! هذا المؤتمر سيكون ــ أو يجب أن يكون ــ للكثيرين نقطة تحول مهمة جداً: فأولاً: هو نقطة تحول لدى بعض أهل الصحافة ممن يندفعون وراء تبني المواقف بشكل أقرب لصحافة الفضائح والإثارة, وهذا يورط الصحافة في الإمارات وهي تبحث اليوم أكثر من أي يوم مضى عن توجه محدد وهوية واضحة تجمع بين الالتزام والحرية. إن الإثارة وافتعال الأزمات لجذب أنظار القراء وزيادة المبيعات قد تكون مقبولة في قضايا الفن والسياسة مثلاً لكنها تصبح غير مغتفرة عند إثارة قضايا تمس عمق احتياجات الإنسان في المجتمع, ذلك أن هموم الناس واحتياجاتهم تحتاج من الصحافة عند تبنيها أن تطرحها في فضاء رحب من الشفافية والحرية الواعية, وبكثير من الحرص والحذر والمسئولية الملتزمة, لأن إلقاء التهم جزافاً, وتهييج الرأي العام لن يخدم أحداً, بل سيدخلنا في صراعات ومتاهات ومعارك طواحين هواء لا أكثر ولا أقل إضافة لتشويه مشاريع وطنية عملاقة ترصد لها المليارات, وتتم بمباركة ورعاية من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة. وأما ثانياً فإن التحول في التعاطي مع قضايانا الوطنية يجب أن يطال السادة المحترمين أعضاء المجلس الوطني باعتبارهم كما ينص الدستور (يمثلون شعب الإمارات) وعليه فإن وضوح طريقة هذا التعاطي وآلياته وقنواته وضمان الحرية ضمن حدود والتزامات أمر في غاية الأهمية للأعضاء ولنا كمواطنين وللمجتمع حتى لا نقع في فناجين الزوابع فنغرق فيها بشكل لا داعي له على الإطلاق! وثالثاً فإن التحول بلا شك بدأ يتضح من خلال تعامل الوزراء والمسئولين مع القضايا المثارة التي تدخل ضمن اختصاصاتهم, فهناك درجة من الحرص واحترام الإعلام والاهتمام برأي الناس, وهذا واضح جداً خلال الفترة السابقة التي فتحت فيها ملفات العديد من المؤسسات والوزارات, مع التأكيد بأن هناك ملفات ومؤسسات ما زالت مغلقة وتحتاج إلى فك أربطتها حرصاً على المجتمع وتقدمه. الأزمة التي مرت, ستترك أثراً بالتأكيد, لكنها في النهاية درس وتجربة ثرية في طريق التغيير والإصلاح لمن أراد الإفادة والاستفادة.