أعادت الازمة الحالية المثارة حول امتناع وزارة الثقافة المصرية عن نشر ثلاث روايات لاسماء مجهولة, طرح السؤال حول حرية الابداع وحدودها, والحدود الفاصلة بين الابداع الادبي والفكري من جهة والابتذال (الادبي)، من جهة اخرى متمثلا في استخدام الصور الغرائزية كوسيلة لتسويق عمل يفتقر لشروط الابداع, والاعتماد على الاثارة وما يسمى بــ (الكتابة بالجسد) كأداة للشهرة السريعة المزيفة, ولسرقة صفة الاديب أو الكاتب ومنحها لمن لا يستحقها. وكشفت ازمة الروايات الثلاث, ان صحت تسميتها بهذا الاسم الادبي, عن عمق الخلل وحالة الفوضى والتيه التي تعاني منها الحياة الادبية والثقافية, وغياب مشروع نهضوي يحرك المياه الراكدة ويثري خيالات باتت عقيمة, تستمرىء التدني وهدر الطاقات في معارك صغيرة تحت لافتات شعارات عظيمة. فالمتابع لما جرى ومازال يجري, يتخيل ان حرية الابداع مهددة, وان سيف الرقابة مسلط على رقاب الادباء, أو ان وزارة الثقافة المصرية وقعت تحت سطوة عتاة (الارهابيين), ولكن الحقيقة تشهد بغير ذلك, فبالأمس افتتح اضخم مهرجان ثقافي يتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب, والذي اقتحمه المدافعون عن حرية (الانحطاط) وطالبوا المثقفين بمقاطعته, دون التنبه الى خطورة هذه الدعوة التي تحمل رائحة التجهيل, او ادراك خطورة الزج بقضية حرية الرأي والابداع في معركة أبعد ما تكون عن جوهر العمل الادبي والثقافي. فلقد جسدت هذه الأزمة المفتعلة صورة نموذجية لواقع الحال غير الصحي للحياة الثقافية, عندما تغيب عنها القضايا الكبرى وتفتقر للحوار بين تياراتها الحيوية, وتجنح نحو التسطيح والصراع على المناصب أو الأضواء, وتختلط الأوراق, وترفع أنبل الشعارات دفاعا عن الأدنى أو .... وحتى تتلاشى هذه الضجة بلا طحن, يجب ألا يغيب عنا ولو للحظة ان حق المثقف والأديب وحريته شرط من شروط النهضة, أما الخلط بين هذه الحرية المقدسة وبين العبث والهلوسات الغرائزية, فسيجلب على حياتنا الثقافية أخطر الأمراض الفتاكة, ويفقدها دورها التنويري, وينزع عنها تلك القيمة التي تمتعت بها طيلة تاريخنا, وأتاحت لقادة الفكر والأدب أن يحتلوا مكانة تضارع وربما تجاوز مكانة أبطال أمتنا. وفي تاريخ الأدب العالمي ــ وخلافا لمزاعم مدعي الحداثة ـ لم يبق أو يخلد سوى تلك الأعمال التي عبرت عن عذابات الإنسانية وطموحاتها, وصيغت بأنامل روح مفعمة بأنبل القيم وتسامت عن الدنايا, حتى عندما عبرت عن غريزة الحب, ألهبت المشاعر دون تدني إلى الإثارة الحسية, فهذه لا تليق إلا بالكتب الصفراء التي تملأ أرصفة الشوارع الجانبية, وتجتذب شهوات المراهقين, وتنتقص من وعيهم لحساب أجسادهم .. وهذه ليست وظيفة الأدب.