التغير سنة الكون, ولا شيء يبقى على حاله, والحياة رغم كل المشاكل والتعقيدات تسير إلى تقدم, والإنسان كما يقول أحد الفلاسفة اليونانيين القدماء لا ينزل النهر مرتين, لان المياه على الأقل دائمة الجريان والتدفق. هذه القاعدة تنطبق على الصعايدة أيضا, شاء من شاء وأبى من أبى طبقا للقول المأثور لياسر عرفات, لكن المشكلة (المنيلة بستين نيلة) أن كثيرين لا يريدون تصديق هذه القاعدة, وإذا صدقوها فهم غير قادرين على استيعابها, وإذا استوعبوها لا يطبقوها, وحتى عندما يطبقونها, تجدهم لا يتوقفون عن اطلاق النكات. ولانني أعتبر نفسي جنديا في كتيبة المدافعين عن الصعايدة ورد الاعتبار لهم, باعتباري صعيديا أصيلا أبا عن جد, فسوف أقدم للمشككين ما يدحض كل افتراءاتهم. وهنا لن أتحدث عن عبارات انشائية مكررة من قبيل ان الصعيد يكفيه انجاب الرواد والعباقرة في مختلف المجالات من رفاعة الطهطاوي وعباس العقاد في الأدب إلى جمال عبدالناصر في السياسة مرورا بالمئات والآلاف غيرهم. كما انني لن أتحدث عن شهامة وجدعنة هؤلاء الجنوبيين (السمر الشداد) كما غنت لهم شادية, أيضا لن أسترسل في الحكي عما قدمه رموز الصعيد لمصر والوطن العربي من عطاء فكري وفني وأدبي ووطني في كافة المجالات. سأقص عليكم أيها المتندرون على الصعايدة ما حدث معي شخصيا خلال الفترة الأخيرة. عندما كنت طالبا قبل 15 عاما بكلية الاعلام جامعة القاهرة, ولكي أحاول الاطمئنان على أسرتي بإحدى قرى محافظة أسيوط ـ قلب الصعيد النابض ــ كنت أذهب إلى محطة السكة الحديد الشهيرة علني أجد شخصا متجها للقرية كي يبلغ الأسرة ان ابنهم البكر بخير, لم تكن هناك تليفونات بالمرة باستثناء خط واحد أو اثنين لدى بقايا الأسر الاقطاعية, ولذلك كان الاتصال الرئيسي يتم عبر رسائل البريد التي تستغرق أسبوعا كي تصل ما بين القاهرة والقرية. في أوائل التسعينيات حدثت ثورة اتصال حقيقية بالقرية حينما تذكر المسئولون ان هناك بشرا حقيقيين يعيشون هناك, وتم تركيب خطوط تليفونية غير مباشرة, بمعنى انه لا يمكنك الاتصال إلا عبر موظف التليفون بالقرية الذي يستمر في عمله لمدة ثماني ساعات فقط, وبالطبع فإن هذا الموظف إذا ذهب إلى حقله أو منزله أو أي مكان يريده, تنقطع صلة القرية بالعالم وتعود لسيرتها الأولى, وما أذكره جيدا ان احدى السيدات اللاتي أنعم الله عليهن بتركيب أحد الخطوط غير الناطقة, وعندما سألتها جارتها ماذا تفعل بالتليفون, ردت عليها بكل عفوية قائلة: (والله يا أختي ما طبخنا عليه حاجة), هذه السيدة البسيطة لم تكن تدرك حتى عام 1990 ان التليفون يستخدم للاتصال وليس لطبخ الملوخية أو المحشي!! تطورت الأمور شيئا فشيئا وأصبح جزء كبير من أبناء القرية يحتلون مناصب مرموقة في القاهرة من مستشارين وضباط ووكلاء نيابة وصحفيين وأطباء ومهندسين ومترجمين, وهكذا بدأوا يضغطون بطريقة تشبه اللوبي, وأسفرت هذه الضغوط عن تحول كشك موظف التليفون إلى سنترال نصف آلي, يعتبر حلا وسطا ما بين (تليفون العمدة المشهور في الأفلام القديمة) والتليفون المباشر, لكن الأمر ظل محبطا طالما لا تستطيع الحديث المباشر لأهلك وأسرتك, ولكي تحدثهم عليهم الانتقال إلى مدينة أخرى بها خطوط مباشرة بعد الاتفاق مع قريب أو صديق. وعندما زرت هذه القرية في الصيف الماضي كانت المفاجأة الكبرى.. غالبية أسطح المنازل التي كانت مخصصة لتربية الدجاج والبط والحمام تحولت إلى غابة تمتلئ بأجهزة استقبال (الستالايت) وكل القنوات المعروفة, العربية والأجنبية قد يتعجب البعض هنا قائلا: وهل وجود الستالايت يعتبر حدثا, الاجابة انه ليس حدثا فقط بل ثورة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى, خاصة إذا علم المتعجبون من ان أبناء الصعيد لا يتاح لهم غير مشاهدة القناتين الأولى والثانية وقناة الصعيد, ولذلك فعندما قالت لي أختي الصغرى انها تابعت بعض وقائع الانتخابات الأمريكية عبر الـ (سي ان ان) كنت مذهولا, وزاد ذهولي عندما علمت ان المدرسة الابتدائية بالقرية أصبح بها جهاز كمبيوتر. حتى الآن المفاجأة لم تأت بعد, فامتلاك ستالايت أو كمبيوتر ليس معجزة الآن... ولكن المفاجأة حدثت عندما عادت زوجتي لمصر قبل أيام وكنا نناقش معاً كيفية (الاتصال الآمن) والمطول دون ان يؤثر ذلك على الميزانية التي تعاني ضغطاً يشبه ضغط الدولار على الجنيه المصري هذه الايام. بعد جهد جهيد وتفكير معمق (لاحظوا هنا ان الصعايدة يفكرون ايضاً مثل بقية البشر وبعمق) توصلنا الى ان الحل في الانترنت طبعاً اتخيل كثيرين الآن يقهقهون (الصعايدة وصلوا للانترنت)! و(يبحرون في الشبكة كمان)!! واسارع بالرد عليهم قائلاً: ان الانترنت ورسائل البريد الالكتروني اصبحت (موضة قديمة) بالنسبة لنا. ما حدث ايها الاعزاء الكرام انني تمكنت من الاتصال بزوجتي عبر برامج الدردشة وبالصوت والصورة, يعني ببساطة اصبحت احادث الاسرة واراها وتراني عبر كاميرا الفيديو ونتناقش في كل شيء من آخر تطورات الانتفاضة والمفاوضات العبثية في طابا حتى أخبار جاموسة احد الجيران واحتمال اصابتها (بجنون البقر), ألمح هنا البعض يتساءل وهل يصاب الجاموس بجنون البقر! وبعيداً عن التهريج والتريقة فإن هذا ما حدث فعلاً, لحظتها ادركت ان العولمة طالت كل شيء حقيقة, طالما انها وصلت الصعيد, فإذا كنت داخل غرفة مغلقة في اي نجع او قرية نائية وتستطيع ان تتبادل الاحاديث مع اصدقاء افتراضيين في اي بقعة بالعالم, فتلك هي العولمة, هنا لا اتحدث بانبهار عن هذا المصطلح الغامض, انني اتحدث فقط عن الوصف, اما عن الايجابيات والسلبيات فتلك قصة اخرى. أعود للمتشككين وهم كثر وبعضهم داخل جريدة (البيان) نفسها وأحدهم يشغل منصباً مرموقاً هو نائب رئيس التحرير السيد ظاعن شاهين, هؤلاء ما زالت لديهم او لبعضهم الصورة النمطية عن الصعايدة التي رسختها بعض المسلسلات والافلام القديمة. صورة الصعيدي لدى (الاعداء) تتلخص في انه يستيقظ صباحاً ليطخ (اي يقتل) بعض افراد منزله بديلاً لوجبة الافطار, وفي المساء يطخ اثنين او ثلاثة لوجبة العشاء, وان (دماغه ناشفة) ويسهل الضحك عليه. هؤلاء للأسف لا يدركون ان الصورة تغيرت فعلاً, والتغير هنا لا يعني للأحسن دائماً, فكثير من السلوكيات تغيرت للأسوأ, والفلاح الذي كان يذهب لحقله فجراً وينام في الثامنة مساء بعد صلاة العشاء يذهب الآن في الحادية عشرة صباحاً, ومعظم الفلاحين تركوا حقولهم بحثاً عن فرص عمل عشوائية في القاهرة او عن حلم بالثراء في الخليج بل ان بعض شباب القرية وجد طريقه للهجرة الدائمة لأوروبا اما الفتيات فقد لا يصدق احد ان بعضهن يذهبن الى الحقل وهم يضعن (احمر الشفاه) احياناً, ويتحدثن عن آخر التطورات في المسلسلات العربية والاجنبية بل والمكسيكية المدبلجة! طبعاً قد لا يصدق البعض ما اقوله عن دخول الصعايدة الى (الويب), وفكرت ان ارتب افواجاً سياحية لهؤلاء المتشككين كي يروا بأم اعينهم كيف تغير الصعيد, وستكون تكلفة هذه الرحلات بسيطة للغاية ولن تتجاوز تكلفة الفرد عشرة الاف دولار لمدة اسبوع شاملة الاكل الصعيدي والاقامة! اكثر ما اخشاه هنا ان يكون كل المتقدمين لهذه الرحلات من الصعايدة انفسهم! اخيراً فأنا مدرك تمام الادراك ان الحملة الشرسة ضد الصعايدة المدعومة من قبل الصهيونية والامبريالية العالمية والمحافل الماسونية والمافيا الدولية لن تتوقف, مثلما لن تتوقف محاولاتنا لاقناعهم بتغيير هذه النظرة الاحادية والمعايير المزدوجة في التعامل ما بين (الصعايدة) والبحاروة, اذا اقتنعوا كان بها واذا لم يقتنعوا فوقتها سيكون لكل حادث حديث وسنضطر آسفين الى تفعيل عمليات تنظيم (صعايدة بلا حدود) الذي صادف بعض المشاكل الاجرائية في التأسيس والتكوين والتمويل لزوم مواجهة (الاعداء). وندائي الاخير لكل اعدائنا قد اعذر من أنذر والسلام.