عقدت القيادة الفلسطينية في الفترة الماضية عددا من الاجتماعات مع الحكومة الاسرائيلية, حضرها قادة امنيون وسياسيون على السواء. وقيل ان هدف اجتماعات اللحظات الاخيرة هذه هو التوصل الى اتفاق نهائي وشامل على اساس ما بات يعرف بمقترحات كلينتون او خطة كلينتون. وفحوى هذه المقترحات او الخطة, اعطاء الفلسطينيين 95% من الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967 بما فيها اجزاء كبيرة من القدس الشرقية وبما يسمح بإنشاء دولة فلسطينية في نهاية المطاف. ويبدو ان الاعتراضات الفلسطينية لا تنصب على جوهر خطة كلينتون نفسها, سيما اذا ادخلت عليها بعض التعديلات وتم حل عقدة اللاجئين الفلسطينيين وفق القرار الدولي 194, بقدر ما تنصب على الضمانات المعطاة للتطبيق, وكذلك الآلية العملية والزمنية لتنفيذها. بمعنى ان الفلسطينيين لا يريدون ان يكرروا تجربة اتفاقات اوسلو التي جرى التفاوض عليها عدة مرات, ثم اعيد التفاوض على بنود منها تم الاتفاق عليها من قبل, ولا يزال بعضها (الذي اتفق عليه) لم ينفذ حتى اليوم. ولكن السؤال الذي يطرحه بعض المحللين, هو لماذا تظهر السلطة الفلسطينية كل هذا الترحيب بإجراءات مفاوضات مع الاسرائيليين وهي كانت تعلم قرب رحيل الرئيس الامريكي بيل كلينتون (صاحب المقترحات), كما تدرك ان الانتخابات الاسرائيلية المبكرة على الابواب (6 فبراير المقبل), وان رئيس الحكومة الحالي ايهود باراك قد انخفضت شعبيته كثيرا في اوساط الاسرائيليين, والاهم من ذلك كله ان الانتفاضة الفلسطينية ما زالت مستمرة؟ من الاجابات المحتملة على ذلك ان السلطة الفلسطينية تريد استثمار الازمة السياسية الاسرائيلية الداخلية لانتزاع افضل اتفاق ممكن. ومن الاجوبة ان السلطة وشأنها في ذلك شأن الحكومة الاسرائيلية تشعر بالثمن الفادح الذي سيدفع من استمرار العنف والمواجهات. وأن ثمة ضغوط اقليمية ودولية تدفع باتجاه وضع حد لكل ذلك, او على الاقل ابقاءه ضمن حد مقبول. والآن لنفحص بعض هذه الاجابات. باراك وحزب العمل ثمة اتفاق عام بأن الانتفاضة الفلسطينية والمستمرة منذ 28 سبتمبر الماضي قد اوجدت وضعا سياسيا جديدا في المنطقة. وهناك من يذهب ابعد من ذلك, بأنها قلبت معايير التفاوض بين الفلسطينيين والاسرائيليين وخلفت اتفاقات اوسلو بعيدا وراءها. وفي الوقت نفسه رفعت الى السطح المطلب الفلسطيني الجوهري وهو انهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967. وضمن ذلك وخلاله اطاحت بحكومة ايهود باراك, وربما بمستقبله السياسي ايضا. كما جعلت حزب العمل الاسرائيلي الذي فاز زعيمه على نتانياهو في وضع قد يخسر مع الانتخابات المقبلة لصالح تكتل الليكود. ويشعر الاسرائيليون (كما تدل على ذلك استطلاعات الرأي والتحقيقات الصحفية الميدانية) بالاحباط جراء فشل حكومة باراك في الابقاء على المطالب الفلسطينية ضمن حدودها الادنى, ودفع الوضع للانفجار, ما جعل جميع الاسرائيليون يواجهون الحقيقة المرة, ربما لأول مرة, وهي ان عليهم الانسحاب الى حدود العام 1967, بما في ذلك القدس الشرقية. وليس عبثا ازاء هذا الاحباط والفزع ان ترتفع فجأة شعبية زعيم الليكود ارييل شارون, على حساب باراك, وهو المعروف حتى بين الاسرائيليين انفسهم, بدمويته ومغامراته التي لم تجلب لاسرائيل سوى العار والانتقادات. فشارون, ورغم انه ابعد ما يكون عن كونه زعيما شعبيا او محبوبا, ان يقلل من مخاوف الاسرائيلي ويهدىء من روعهم ويعيد لهم بعض الثقة في انفسهم. وليس بعيدا ان يمنحوه اصواتهم في الانتخابات المقبلة. الا اذا حدث شيء مفاجىء, مثل ان ينجح باراك في التوصل الى اتفاق سلام مع السلطة الفلسطينية, يقبله الاسرائيليون ويتلافون من خلاله اسوأ الاحتمالات التي تنتظرهم. ويبدو ان هذا هو طوق النجاة الوحيد لباراك, ولذلك فهو اعطى الانطباع طوال الفترة الماضية, وسواء عبر اغراء الفلسطينيين اوالضغط عليهم او ابتزازهم, بأنه يسعى للوصول الى مثل هذا الاتفاق لانقاذ رأسه. وتندرج ضمن هذا الاطار, موافقته السريعة اول الامر على خطة كلينتون ثم اشتراط هذه الموافقة بقبول الفلسطينيين للخطة, ثم تراجعه عن الموافقة واعلانه رفضها. كما تندرج في هذا الاطار تصعيده للعنف الاسرائيلي ضد الفلسطينيين تارة وتهدئته تارة اخرى, وإحكام الحصار على الاراضي الفلسطينية تارة ثالثة. انه في كل ذلك يرمي الى انتزاع اتفاق سلام مريح ومقبول (اسرائيليا) يقدمه للناخب الاسرائيلي لضمان صوته. وتدرك السلطة الفلسطينية حجم المأزق الذي يمر به, وحاجته الملحة لمثل هذا الاتفاق, ولذلك وافقت على الجلوس والتفاوض مع مبعوثيه, وهي في كل الاحوال ليست في عجلة من امرها, كما انه ليس هناك ما يلزمها في ان تستمع الى العروض التي يقدمها رئيس الحكومة الاسرائيلية, فهي ان شاءت قبلت بها وإن شاءت رفضتها. والأهم من ذلك ان ما يطرحه باراك اليوم على الفلسطينيين سوف يصبح نقطة بداية ملزمة للسياسيين الاسرائيليين الذين سيأتون بعده, ولن يستطيع احد ان يطالب القيادة الفلسطينية مستقبلا بقبول اقل ما وافق عليه الاسرائيليون انفسهم. فباراك في النهاية لا يتحدث وهو يفاوض باسمه شخصيا, وإنما بوصفه ممثلا للطبقتين السياسية والعسكرية ــ الامنية الاسرائيلية. ومن هنا فإن المفاوضات التي تدور اليوم وان كانت مصممة اسرائيليا من اجل انجاح ايهود باراك في الانتخابات, إلا انها من الجانب الفلسطيني مصممة للاستفادة الى اقصى ما يمكن من أزمة باراك نفسه. التفاوض مع شارون ولتعميق هذه الاستفادة على ما يبدو لم يتورع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عن القول في احد تصريحاته الاخيرة انه لا يمانع في التفاوض مع ارييل شارون اذا فاز في الانتخابات, رغم انه يعرف اكثر من غيره من يكون شارون. وكأن عرفات يقول لباراك (ان غريمك في الليكود يلوح لنا بما ترفضه انت الآن, وهو يتمنى من كل قلبه ان تفشل مفاوضاتنا معك, لان فيها فشلك في الانتخابات, فماذا انت فاعل؟). وبظني ان شارون لا يمانع من الناحية الفعلية في القبول بالعرض الذي يقدمه باراك اليوم للفلسطينيين, بل لعله ولأغراض انتخابية بحتة, ومن اجل الاستهلاك المحلي, يحاول ان يظهر في صورة المزايد والرافض لأي حلول وسط مع السلطة الفلسطينية, مع انه يدرك من تجربته الشخصية على الاقل (زيارته المشئومة الى الحرم القدسي وقبلها جرائمه في لبنان) ان لا حل للمشكلة الفلسطينية الا بالاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, بما فيها القدس وحق العودة. وقد كشف هو نفسه عن وجود اتصالات مع الفلسطينيين مؤخرا, بغية استطلاع المواقف والتصورات, استباقا لفوزه المحتمل في الانتخابات كما قام شارون بزيارات الى بعض العشائر العربية في النقب وأكثر من التصريحات المطمئنة للجانب العربي. ومن المفارقات العجيبة ان حزب العمل وزعيمه باراك حاولوا استخدام الماضي الاجرامي لشارون في اجتياح لبنان ومجازر صبرا وشاتيلا, ليقولوا للاسرائيليين (هذا هو شارون فهل تنتخبون جلادا يديه ملطخة بالدماء؟). لكن باراك نسي ان هذه الدماء ليست دماء يهودية وانما عربية, وفي هذا يتساوى الاسرائيليون. كما انه نسي على ما يبدو ان الكثير من الايادي الاسرائيلية (بما فيها يديه) ملطخة بدماء الفلسطينيين, وليست ايدي شارون فحسب, وان تكن هذه الاخيرة قد بزتها جميعها. من الناحية الاخرى, اذا فاز شارون في الانتخابات المقبلة, وليس هناك حتى الآن ما يمنع من فوزه, فلا توجد ضمانة امام الفلسطينيين من ألا يصبح شارون عاملا معطلا للمفاوضات, وربما لتصعيد الوضع وتفجيره على اكثر من جبهة عربية. ويوجد مثل هذا التخوف لدى القيادة الفلسطينية, وهي التي لسعت من نار كل رئيس جديد يأتي للحكومة الاسرائيلية. ومن جهته يرفع باراك مثل هذا الاحتمال في وجوه المفاوضين الفلسطينيين بغية اخافتهم واضعاف همتهم ودفعهم للقبول بما يطرحه من حلول منقوصة. والحال ان ثمة لعبة مزدوجة ومعقدة تكمن خلف المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية الحالية, وربما بسبب هذا التعقيد بالذات وخطورته, علينا ان نتصور الكم الهائل من الضغوط المختلفة التي يتعرض لها المفاوض الفلسطيني فيما يرفض وما يقبل. ونعود للسؤال الاساسي الذي طرحناه, وهو لماذا يقبل الفلسطينيون بالجلوس الى طاولة التفاوض مع الاسرائيليين رغم ادراكهم احيانا لعبثية هذه المفاوضات؟ والاجابة ببساطة لأنهم مجبرون على الالتزام بقواعد اللعبة المدعومة اقليميا ودوليا. انهم مجبرون على مسايرة الاوضاع الحالية, حتى وإن كانوا لا يطيقونها, بالضبط كما يفعل معظم الناس على وجه هذه المعمورة, حين يسايرون (مرغمين) اوضاعا يتمنون في داخلهم لو استطاعوا ان يقلبوها رأسا على عقب في طرفة عين! كاتب يحريني