رغم ان قضية فلسطين ومسألة العراق ينظر اليهما عالميا بأنهما في مقدمة بؤر الانفجار الدولية الا ان من المؤسف انه ليس هناك حتى الآن ما يمكن اعتباره استراتيجية جماعية عربية فاعلة تجاه هاتين المشكلتين. وفي غياب مثل هذه الاستراتيجية العربية تظل تطورات هاتين البؤرتين مرتهنة الى صراعات المصالح بين القوى الكبرى. على صعيد تطورات القضية الفلسطينية تستأثر الولايات المتحدة بترتيب العمليات التفاوضية بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي وتحريكها بما في ذلك تقديم مقترحات كلما وصل المسار التفاوضي الى طريق مسدود. وباستثناء دولتين عربيتين هما مصر والاردن فإنه غير مسموح امريكيا واسرائيليا لأي حكومة عربية بالمشاركة, وحتى تدخل الحكومتين المصرية والاردنية محكوم بحدود معلومة. ان احدث مشهد نراه لمسلسل المسار التفاوضي بين الفلسطينيين والاسرائيليين تنطلق حركته من خطة وضعتها الادارة الامريكية الفائتة.. وبالتالي فإن العملية التفاوضية تدور برمتها حول مقترحات امريكية, هي في الحقيقة بحكم الشراكة الاستراتيجية المستديمة بين الولايات المتحدة واسرائيل, مستوحاة من (اللاءات) التي وضعها رئيس الحكومة الاسرائيلية كثوابت يهودية (قومية): لا للعودة الى حدود 67.. لا لعودة اللاجئين.. لا لتقسيم القدس. على صعيد المسألة العراقية تبدو الدول العربية وكأنها اختطت لنفسها طوعا حدودا للتدخل. ان الحكومات العربية لا تكف عن تكرار انها تؤيد رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق لمدى السنوات العشر الاخيرة مشددة على انها حريصة على تخفيف معاناة الشعب العراقي من هذه العقوبات. لكنها اذ تقول ذلك فإنها سرعان ما تستدرك بالاشارة الى ان رفع العقوبات ليس شأنا عربيا وإنما يتعلق بالأمم المتحدة, في اطار الشرعية الدولية. ولهذا يبقى مصير المسألة العراقية مرتهنا الى حرب مصالح بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة وبين فرنسا وروسيا والصين من جهة اخرى على صعيد مجلس الامن الدولي.. وكأن القضية العراقية ليست قضية عربية. ان ترك قضايا مصيرية عربية للقوى الدولية الكبرى واستراتيجياتها المتصارعة سوف ينتهي بهذه القضايا في المدى البعيد الى نتائج تلحق ابلغ الضرر بالامة العربية. فاحتكار الولايات المتحدة توجيه مسار العملية التفاوضية بين الطرف الفلسطيني والطرف الاسرائيلي, قد يؤدي الى تدعيم التفوق الاسرائيلي العسكري والاقتصادي في منطقة الشرق الاوسط بعد ان يضطر الفلسطينيون الى قبول صفقات خطيرة من موقع ضعف. وانفراد القوى الكبرى الدولية بمعالجة الوضع العراقي قد ينتهي في المدى البعيد الى تدمير العراق ككيان عربي قوي مما قد يشجع تركيا واسرائيل على تطوير تحالفهما الاستراتيجي الموجه ضد سوريا ولبنان.. ومن ثم بقية العالم العربي. ان مؤتمرات القمة العربية لا يمكن ان تعتبر آلية لاستراتيجية جماعية عربية فاعلة. انها في الحقيقة حاصل جمع السلبية الاستراتيجية الانفرادية لكل دولة عربية على حدة. ولهذا فإن اجتماعات القمة ليست سوى مناسبات متباعدة لصياغة قرارات لا تجد طريقها الى التطبيق العملي رغم انها قرارات حد ادنى. ان المطلوب اذن هو تغيير النظرة العربية الجماعية الى القضايا الاقليمية, على اساس ان اي قضية عربية ليست معزولة عن السياق العام للأمن القومي العربي. وأيا يكون مصير القضية الفلسطينية والقضية العراقية فإن هذا المصير سوف تترتب عليه بعامل التداعي نتائج تنعكس على العالم العربي برمته.