إذ لم يبادر رئيس أمريكا الجديد إلى الحركة لانهاء نسبة الواحد في المئة فسوف يجد نفسه داخل قميص مجانين سياسي الاسبوع الأول من تولي الجنرال كولن باول منصبه كوزير لخارجية أمريكا لن يكون سهلا بحال من الأحوال. لا نقصد بذلك الحديث عن العقبات الكأداء والمشاكل المكدسة شبه المستعصية التي تحتويها أجندة السياسة الخارجية وأولويات العلاقات الدولية للولايات المتحدة, فتلك أمور تكاد تبدو بديهية بالنسبة لوزير خارجية (دولة الأكبر أو القطب الأوحد في عالم القرن الحادي والعشرين. المقصود في هذا السياق بالذات هو افتقاد آلة السياسة الخارجية الأمريكية إلى الموارد المادية الاعتمادات المالية الكافية لإدارة دفة الشأن الدولي بكل قضاياه المعقدة ومتطلباته المتشابكة. والمحللون السياسيون, الدارسون لهذا الجانب لا يتحركون من منطلق الحرص على حل مشاكل العالم فتلك نوايا مثالية وأهداف تدخل في باب الشهامة والفردية, والأخلاق الحميدة. وهي الفاظ ومصطلحات ومفاهيم لا يعرفها, ولم يعرفها قاموس السياسة.. الدولية. وربما السياسات الداخلية أيضا. شحة الاعتماد أنهم ينطلقون في الأساس من منطلق الحفاظ على الأمن القومي للولايات المتحدة. وفي هذا السياق يقولون أن لا سبيل لتلبية مقتضيات الأمن القومي الأمريكي بواسطة اعتمادات يرونها شحيحة وفقيرة لا تفي بتلك المطالب بل وتقصر عن تحويل الجهاز الدبلوماسي الأمريكي في طول العالم وعرضه في هذا الصدد يرفع خبراء السياسة الخارجية والعلاقات الدولية في واشنطن عقيدتهم قائلين: حذار من ( نسبة الواحد في المئة). وترجمة هذا التحذير بكلمات البروفيسور ريتشارد جاردنر استاذ القانون والمنظمات الدولية في جامعة كولومبيا يسوقها على النحو التالي : من العبث بل والتزييف القول (أو الزعم بأن بوسع واشنطن أن تنجح في سياستها الخارجية في ظل الاقتصار على تخصيص نسبة واحد في المئة فقط لا غير من الميزانية الاتحادية للانفاق على أغراض السياسة الخارجية, والحديث أو التحذير هنا يكاد يكون موجها إلى الكونجرس الأمريكي الذي كان يسيطر عليه الحزب الجمهوري.. وليهيمن بالذات على السياسة الخارجية فيه السناتور الجمهوري هيلمز رئيس لجنة العلاقات الخارجية اياه في مجلس الشيوخ وهو سياسي يصفونه أحيانا بأنه محافظ, وأحيانا بأنه متزمت وأحيانا بأنه رجعي, وقد كان في كل الأحيان واقفا بكل مرصاد لأية مبادرات كان يتخذها أو يحاول اتخاذها الرئيس (الديمقراطي السابق طبعا بيل كلينتون) سواء للتوسع في نشاط السياسة الخارجية أو للمشاركة في جهود دولية تبذل لحل مشاكل اقليمية ما بين حروب أهلية أو نزوح لاجئين (ولو تحت شعار التدخل الإنساني), أو لسداد المتأخرات المتراكمة في ذمة أمريكا لصالح الأمم المتحدة (وقد زادت على المليار وربع المليار دولار. نفوذ السناتور هيلمز كل ذلك كان يعارضه السناتور هيلمز ويستخدم نفوذه الواسع في الكونجرس لإحباطه وهو يصدر في هذا عن نزعة استعلائية تكاد تردد الشعار النازي الشهير العتيق ليقول ( أن أمريكا فوق الجميع ) فضلا عن فكر انعزالي يتصور أن بوسع الولايات المتحدة أن تعيش, ناهيك أن تزدهر وهي بمعزل عن التعاطي مع مشاكل العالم الخارجي وقضاياه. بفعل هذا الترصد من جانب السناتور المذكور أعلاه, وباستخدام أغلبية الحزب الجمهوري في مجلس الكونجرس.. استطاع السناتور هيلمز أن يخفض الاعتمادات المخصصة لبند السياسة الخارجية ليصبح مجرد واحد في المائة من الميزانية الفيدرالية مما أزعج الكثرة من الدارسين والخبراء وأساتذة العلاقات الدولية وهو ما حرص الاستاذ ريتشارد جاردنر على صياغته في عبارة تحذيرية وصف فيها هذا الاجراء فقال: أنه عبارة عن تقليص لتكاليف قيادة العالم. بمعنى أن زعامة العالم, وقد اعتزت أمريكا بأن آلت اليها مقاليدها بعد سقوط وزوال غريمها ومنافسها السوفييتي بكل ما تعنيه من مكانة فريدة لواشنطن تعود عليها بالتالي بمغانم بغير حدود سواء في مجالات السياسة أو التبادل التجاري أو السطوة أو القوة التفاوضية داخل وخارج المنظمات العالمية هذه الزعامة لها بدورها تكاليفها ومن شأن العمل على انكماش أو تضئيل هذه التكاليف أن يؤثر سلبا بطبيعة الحال على قدرة واشنطن على الاضطلاع بالدور القيادي في العالم. وعلى جني ثماره اليانعة. قميص مجانين سياسي يواصل البروفيسور جاردنر تحذيراته إلى أن يوجهها تحديدا إلى الرئيس الجديد جورج بوش فيقول : إذا لم يبادر الرئيس الجديد إلى الحركة على جناح السرعة لانهاء نسبة الواحد في المائة بكل وضعها الشائن, فلسوف يجد نفسه وكأنه في مأزق مالي لا يستطيع منه فكاكا (العالم الأمريكي يستخدم حرفيا تعبير قميص مجانين يقيد حركته تماما) مما سوف يحبط قدرته على أن يعزز مصالح أمريكا والقيم التي تود الترويج لها وسط عالم يزداد تخبطا ويتسع على نطاقه عدم اليقين (مجلة فورين افيرز عدد أغسطس 2000). نفقات الأمن القومي المعروف أن الهيئة التي ترصد اعتمادات الميزانية الاتحادية هي مكتب الإدارة والميزانية الذي يهيمن على الشئون المالية في واشنطن وبالتحديد يتولى إدارة ناتج محلي إجمالي يبلغ في أمريكا 10 تريليونات دولار وعلى ميزانية فيدرالية تصل إلى 8.1 تريليون دولار (التريليون - للتذكرة يحوي 12 صفرا على اليمين بالتمام والكمال). وقد كانت وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت قد طلبت 25 مليار دولار لتغطية نفقات (الأمن القومي) بما في ذلك تكاليف جهاز السياسة الخارجية والعلاقات الدولية, والدبلوماسية وغيرها في السنة المالية الجديدة التي تبدأ عادة في شهر اكتوبر من كل عام.. وبالطبع عايشت أولبرايت الاشهر الثلاثة الأولى منها وها هي تترك ثلاثة أرباع المدة ( يناير أكتوبر 2001) إلى خليفتها الجنرال (باول) ليحصد الخصوم الذي تخلف عن رفض الكونجرس ما طلبته أولبرايت وتخفيض المبلغ إلى 20 مليار دولار. ولا يتبادر إلى ذهن المراقب السياسي أن المسألة هي مجرد ترشيد للإنفاق أو خفض نفقات العمل السياسي أو النشاط الدولي بل ينبغي مقارنة هذا التخفيض بإجراء مواز آخر هو القيام عمدا بزيادة الاعتمادات المخصصة لأغراض الدفاع ورفع النفقات المرصودة للتوسع في المجال العسكري. وفي هذا الصدد جاء الأمر منطويا على مفارقة لها دلالتها بالنسبة لنا نحن المتابعين لمجريات السياسة الأمريكية بما لها بالضرورة من انعكاسات معظمها بالسلب للأسف الشديد على قضايانا المصيرية في الوطن العربي وفي العالم الثالث بشكل عام. زيادة النفقات العسكرية ان الكونجرس الجمهوري عمد من جهة إلى تقليص اعتمادات السياسة, فيما عمد في الوقت نفسه إلى تضخيم اعتمادات السلاح. وفي مجال الأرقام: طلبت إدارة كلينتون السابقة 25 مليار دولار للسياسة الخارجية فكان أن هبط بها الكونجرس رغم أنف كلينتون ومساعديه إلى 20 مليارا. في الوقت ذاته طلبت إدارة كلينتون وليس غيرها 305 مليارات دولار لاعتمادات الدفاع. فكان أن وافق الكونجرس الجمهوري عليها بغير توان.. بل أنه زادها من عندياته لتصل إلى نحو 311 مليار دولار ونحسب أن الموافقة على هذه الاعتمادات الطائلة للأغراض العسكرية ناهيك عن زيادتها هي الترجمة المالية الاجرائية للبيان المانفستو الذي وضعته الدكتورة كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي للرئيس الجديد بوش في البيت الأبيض و تقوم هذه السياسة على أساس استعراض عضلات أمريكا العسكرية, من خلال زيادة قدراتها الحربية والتوسع في تحديث وتطوير وإنتاج أحدث أسلحة العصر باستخدام أرفع أساليب التكنولوجيا وهو ما يخدم بداهة اللوبي الشهير الذي يرتكن إليه الحزب الجمهوري الذي أصبح حاكما بأمره في واشنطن.. أو هو بتعبير الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت ايزنهاور المجمع العسكري الاقتصادي في الولايات المتحدة ليس بالغريب اذن أن يتنبه الجانب الروسي إلى هذه الخطورة التي تظل الأسهل من سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة. وخاصة في مجالات تطوير السلاح النووي وانتشار الحديث في أروقة واشنطن عن العودة إلى مشروع ريجان القديم المعروف باسم أسلحة حساب الكواكب وتطوير الصواريخ والقذائف التسياريه أو الباليستية.. ومن ثم أعلن الناطق باسم روسيا في تصريح صادر مؤخرا ( 16/1/2001) أن روسيا على استعداد لتخفيض ترسانتها من الأسلحة النووية والصاروخية بشرط أن تقوم واشنطن بنفس الاجراء الموازي. مؤشرات مقلقة ويمكن من خلال هذه الملابسات استخلاص مؤشر هام يدل على أن الإدارة الجمهورية الجديدة في واشنطن سوف تقدم على خفض النشاط الدبلوماسي والسياسي فيما سوف تعمد إلى زيادة النشاط المرتبط بالقوة العسكرية وقعقعة السلاح. وإذا كانت المسألة سوف تؤول في رأي المحللين إلى رصد نسبة واحد في المائة فقط لا غير من الميزانية الاتحادية للنشاط الخارجي الدبلوماسي.. فإن الحسابات التي اجراها المراقبون مؤخرا أشارت إلى أن اعتمادات التوسع العسكري سوف تطرد زيادتها لتبلغ نسبتها إلى اعتمادات السياسة والدبلوماسية رقما غريبا هو 16 إلى واحد. وفي هذا السياق نحيل أيضا إلى البروفيسور جاردنر الذي يقول: ان ميزانية أية دولة شأنها في ذلك شأن أي شركة أو مؤسسة أو هيئة إنما لتعكس أولوياتها. وقد نعمل على هذا القول بأنه يصبح من حقنا أن نستنتج أن إدارة بوش الجديدة سوف تعطي للسلاح أولوية على التفاوض والدبلوماسية.. وسوف تنحاز إلى ما يفتي به الجنرالات والكولونيلات ومن لف لفهم على حساب ما قد يشير السفراء والاعلاميون والساسة والمفكرون ومن اليهم. بوش يراجع سياساته وليس في أنك مجرد رجم بالغيب.. فها هي الأنباء تطالعنا في آخر أسبوع تبقي لإدارة كلينتون في البيت الأبيض بأن إدارة بوش الجديدة بسبيل اتخاذ قرارات تصب جميعا في هذا المجرى بالذات قليل من الدبلوماسية والسياسة.. ومزيد من العسكرة والسلاح من أنك مثلا ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية من واشنطن العاصمة حول أولى خطط إدارة بوش التي ترمي إلى ادخال تغييرات جوهرية على السياسة الخارجية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وكلها تغييرات تتسق مع ما ذهبنا إليه, ومع ما سبق وتناوله البروفيسور ريتشارد جاردنر منذ أواخر الصيف الماضي. كلها تغييرات باتجاه التقلص والانكماش في مجال السياسة الخارجية تتم في إطار ما أسمته الإدارة الجديدة بعملية المراجعة الشاملة وابرز ما فيها ما يلي: ــ الغاء عشرات المناصب الدبلوماسية الخاصة وفي مقدمتها بالنسبة لنا الغاء منصب المبعوث الرئاسي الخاص إلى الشرق الأوسط. إضافة إلى عدد من المبعوثين الذين كانوا موفدين في ظل الإدارة الديمقراطية السابقة للقيام بمهام خاصة ذات طابع إنساني سواء في البلقان أو شبه القارة الهندية أو قبرص وغيرها. - سحب 11 ألف جندي أمريكي من قوات حفظ السلام في أوروبا وتلك مقدمة لتقليص دور القوات الأمريكية في مهام تسوية النزاعات سلميا ومهام حفظ السلام في انحاء شتى من العالم. - معارضة تقديم قروض جديدة إلى روسيا من جانب صندوق النقد الدولي. - التحول من اعتبار الصين شريكا استراتيجيا كما كانت تتصور إدارة كلينتون إلى حيث اعتبارها غريما أو منافسا استراتيجيا للولايات المتحدة. وبناء على أن تقضي سياسة واشنطن الجديدة بزيادة المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة إلى تايوان كورقة ضغط على جبين الخصم أو الغريم الاستراتيجي الجديد. - وأخيرا يأتي البند الأهم الذي المحنا إليه في سطور سبقت وهو تطوير نظام الدفاع الصاروخي الذي كان معروفا منذ الحقبة الريجانية باسم حرب الكواكب وهو ما يتوقع الخبراء أن يقضي رصد ميزانية مليارية هائلة وينطوي على أرباح مليارية, هائلة أيضا لمجمع إنتاج هو الأسلحة ذات التكنولوجيا السوبر متقدمة, فيما يتوقعون من جانب آخر أن يثير هذا البرنامج العسكري بالذات توترات حتى لا يقال صراعات سواء إزاء الطرف الروسي في المشرق أو في داخل منظومة الناتو الدفاعي, في غرب أوروبا. هذه المليارات الطائلة المطلوبة لتطوير نظام الدفاع الصاروخي.. سوف تتطلب بالضرورة تبريرات سياسية, تجيب على سؤال جوهري هو: دفاع ضد من؟.. فيما سوف تقضي بالضرورة أيضا إلى خفض بنود الانفاق على النشاط الخارجي للقطب الأوحد في العالم.. وهو نشاط لا يقتصر بداهة على السفارات أو التسهيلات ولا حتى المعونات الخارجية.. بل يتسع ليشمل التزامات أمريكا كدولة كبرى إزاء الأمم المتحدة وإزاء ما تعهدت به في المؤتمرات الدولية العديدة التي عقدت تحت رعاية المنظمة الدولية على مدى التسعينات لمعالجة الأدوار التي أصابت الكرة الأرضية ابتداء من مؤتمر البيئة والتنمية في ريودي جانيرو (1992) وليس انتهاء بمؤتمر السكان والتنمية في القاهرة (1994) الذي تحدد بمقتضاه مساهمة أمريكا (من واقع حجم ناتجها القومي) بمبلغ 9.1 مليار دولار سنويا من أجل تعميم حصول جميع سكان الأقطار النامية على وسائل تنظيم النسل وخفض حجم سكان الكرة الأرضية وهو ما تطالب به الأقطار المتقدمة وعلى رأسها أمريكا.. وذلك مجرد مثال. كاتب سياسي من مصر