للأحياء القديمة رائحة خاصة تذكرك غالبا بعطور عتيقة تستخدمها جدتك أو استخدمتها أمك زمنا ثم تركتها لسبب ما, رائحة هذه الأحياء تسمرك في اللحظة التي تعيشها وتنقلك إلى عمر آخر, رغم رحيله بقي كما هو بضجيجه ووجوه أشخاصه وقهقهات صغاره وألوان السماء والبحر وبوابات منازله الحميمة والمتواضعة. وفي عالمنا العربي تبقى الحارة أو الحي القديم معلم المدينة الأكثر تلامسا مع الوجدان العام, حيث يختصر هذا الحي تاريخا من السنين والعمر والعلاقات والجذور التي تغوص في تفاصيل المدينة راسمة هويتها وروحها وذائقة السكان فيها. وبرغم شراسة التغيير, وسقوط الإنسان العربي أمام سطوة التحولات الاقتصادية, وتفكيره الدائم بتقليد النمط القادم من خارج المدار العربي في كل شئونه العامة والخاصة, الا انك تلاحظ, خاصة إذا كنت من زوار المدن العربية, ان أحياء هذه المدن مازالت نابضة صارخة تتحدث عن نفسها وعن الذين مروا عليها في ترحال السنين, وعن التاريخ ورائحة التفاصيل القديمة. هذا ما تلاحظه عندما تزور أحياء القاهرة القديمة, ودمشق والمغرب, وتونس و... وكم يعشق الزوار التردد على هذه الأحياء تاركين لأنفسهم حرية التمتع والتفاعل مع جماليات المكان بكل تفاصيله وشخوصه ونبضه, وهنا يكونون كمن يعب من مخزون عميق مليء بالحكمة والأسرار والتجليات التي خلفها الزمن في خطوه المتئد بين جنبات المكان وفي أزقته. ولانني ــ مع كثيرين غيري بلا شك ــ أعشق رائحة الأمس لانها الهوية والحقيقة وسر الاستمرار, فأنا أتساءل اليوم أين أحياؤنا القديمة؟ أين مخزون الأسرار وحكمة الأقدمين, وتاريخ عذاباتهم ولون المعاناة التي كابدوها قبل أن تهب على الديار كلها رياح التغيير محملة برائحة الغاز والنفط والأموال و... وعلى امتداد الدولة وفي كل الامارات هناك أحياء قديمة, ربما بقي شيء منها, ولكننا نحن أبناء تلك الأحياء عبثا نبحث عن طفولتنا وبيوتنا القديمة, والأزقة التي خبأنا فيها عمرا من اللهو والصراخ وحماقات الصغار التي لا تنتهي, عبثا نبحث عن (الفرجان) القديمة, فقد صودرت وضاع معها كل شيء, وان كان هناك بعض التفاصيل التي مازالت تعبق في فضاءات القلب, فتلك رحمة الذاكرة, وصلابة الجذور, وصدق التمسك بالهوية دفاعا عن الذات. لماذا لم نحافظ على أحيائنا القديمة؟ لماذا تركناها نهباً لأبناء السبيل والمهاجرين من مدن الغربة, أولئك الذين تسببت عذاباتهم وتشردهم وانعدام علاقتهم بروح الأمس, في قتل الروح التي كانت ترف على تلك الأحياء, كما تسببنا نحن في البداية في تعذيب تلك الروح عندما تبرأنا منها وتركناها وحيدة تعاني قسوة الهجر والنفي؟ هل هو حب الجديد أم سنة التغيير أم طبيعة الأشياء؟ إن البلديات تجتهد في اعادة تعمير بعض الأماكن الأثرية القديمة, ولكن فقط لتحولها إلى أماكن سياحية, يرتادها الغرباء وسكان المدينة للفرجة والتسكع والجلوس على المقاهي التي تملأ كل الأمكنة, لكن استعادة روح الحي القديم كحالة إنسانية واقعية, أصبحت أمرا موازيا لاجتراح المعجزة, وكم نحتاج اليوم لشيء من هذه المعجزات!