كم افتقدنا صوت صافرات الإنذار التي كانت تصرخ غضبا وسخطا في وجه الشاحنات المرتفعة وتدفعها لتذوي بعيدا عن الجسور والأنفاق أمامها, بعد أن اعتزلت الصفير استنكافا من الخوض فيما لا يجدي. وقد عرفت طرقاتنا نظام تحديد الارتفاعات عبر صافرات الانذار المثبتة عند مدخل كل نفق وجسر, تضبط الشاحنات المرتفعة فتدعوها لاتخاذ مسارات بديلة عوضا عن دخول النفق أو المرور من تحت الجسر واللوحات الارشادية العلوية والمعلقة إذا ما فاق ارتفاعها الحد المسموح, وبذلك تعمل كصمام أمان يحفظ منشآت الأنفاق والجسور من مداهمة الشاحنات المرتفعة لها, وتحول دون تعريضها لحوادث الارتطام التي تؤثر سلبا على فاعلية أدائها وتعرض حياة مستخدمي الطريق إلى الخطر, وتستنزف الكثير من الوقت والجهد والمال لاجراء أعمال الصيانة عليها. وفي ظل غياب أنظمة الانذار برفعها عن الطرقات بعد أن تحولت بمواصلة صراخها إلى مصدر ازعاج للسكان وعدم اكتراث من قبل أصحاب الشاحنات الذين ألفوها موكبا رسميا, أصبح المرور من خلال الأنفاق أو من تحت جسر ما مجازفة حقيقية بالحياة, ولا تملك إذا ما جمعتك الصدف بمحاذاة شاحنة تمر من تحت النفق إلا أن تغامر برباطة جأش نادرة إلى البر الآخر, إذ لا يكاد يفصل سطح بعض الشاحنات عن السقف قيد أنملة, وقد تكرر في بعض الحوادث ظاهرة انسداد النفق نتيجة انحشار مركبة مرتفعة بداخله أو سقوط حمولة بعض الشاحنات على الطريق اثر اصطدامها بمدخل النفق. ولعل الحاجة إلى تحديد ارتفاع المركبات التي تستخدم طرقاتنا تزداد إلحاحا يوما بعد يوم مع نمو شبكات الطرق بالامارة وتطورها المتلاحق, خصوصا وان جميع التقاطعات الحديثة أصبحت تتألف من تشكيلة واسعة من الجسور والأنفاق الأرضية واللوحات الارشادية العلوية نفذت على أرقى المواصفات والمعايير وتتمتع بقدر عال من السلامة المرورية, وبات لزاما أمر توفير الحماية اللازمة لها وضمان الأمان لمستخدميها, خصوصا إذا ما علمنا ان الدول المتقدمة تتبع نظاما مروريا صارما تجاه الشاحنات المخالفة للارتفاعات المحددة, حفاظا على الأرواح والممتلكات العامة. إن العديد من الأنظمة والقوانين الصادرة بشأن تنظيم الحركة المرورية على طرقاتنا لا تزال حبرا على ورق, تنتظر صدور تشريعات بشأن تطبيقها تدين مخالفيها على استهتارهم, وتفعل البنود الرامية إلى الارتقاء بأداء الطرقات ومستوى السلامة إلى أعلى المستويات. ومما لا شك فيه ان لكل من الموانئ البحرية والجوية والبرية دورا مسئولا في فرض حد أقصى على ارتفاع الشاحنات التي تدخل الامارة, وتطبيق الأوزان المحورية عليها, لضمان سلامة الطرقات والمرافق النوعية التي زودت بها والتي يفوق عمرها الافتراضي على فترة الصلاحية التي تقضيها في الوقت الحاضر, كما يقع على أجهزة الشرطة والبلدية الدور الرئيسي في توعية السائقين إلى أهمية الالتزام بارشادات السير وقواعد المرور ومعاقبة المخالفين منهم. وقد كان لصافرات الانذار التي غابت وخفت صوتها عن طرقاتنا وقع المؤنب في نفس المخالف إن لم تردعه ومضات التلويح عن المضي قدما في ارتكاب الخطأ عن سبق اصرار وتعمد, إلا انه مع لزومها الصمت أصبحت كالساكت عن الحق, شيطان أخرس!