الأصل : الشعر الفصيح هو الأصل الباقي الخالد, والنبطي فرع منه نشأ في غمرة نسيان الشعر في الجزيرة العربية وعودة العرب إلى البداوة بعد ذهاب لغتهم الفصحى باختلاطهم بمن هم من غير العرب الأقحاح, ومن عادة العربي أن يبوح بآلامه وآماله شعرا فلما لم يكن له إلا هذا اللسان الذي خالطه اللحن والبعد عن الاستقامة على فصيح اللغة عبر عما بنفسه بلسانه العربي البدوي الذي شابه اللحن مبقيا على بحور الشعر التي اعتادها, إذن فالنبطي بقية الشعر الفصيح في نفس عربي الجزيرة وهو بوحه غير المتصنع ومشاعره غير الموشّاة ونبضاته الخارجة من قلبه بغير زيف ولا تزويق. وليس غريبا على عربي ينشأ في الجزيرة العربية حينما تتحرك في نفسه موهبة الشعر أن يبوح به أول ما يبوح نبطيا فإذا علم ان هذا النبطي له أصل فرعه في السماء تشوق إلى ذلك الأصل وراح يستلهمه ويحاكيه فيجمع بين النبطي وهو بوح البيئة وبين الفصيح وهو تراث النبطي وأصله. والمقاربة الشعرية بين الفصيح والنبطي ثابتة واضحة في اشتراكهما في أصل اللغة والبحور الشعرية والأغراض بل والأسلوب الشعري فإنك تجد في الشعر النبطي قصائد خالدة كما هي في الفصحى تحمل ذات سماتها القديمة المتوارثة التي كانت تبدأ بالوقوف على الأطلال ووصف الراحلة وذكر الحبيب ثم التخلص إلى الغرض المنشود. الارتقاء الأولى أن نرتقي من النبطي إلى الفصيح وليس من النبطي إلى النبطي الحديث, فليس بعد لغة الشعر النبطي لغة حديثة نستطيع أن نسميها لغة شعر نبطي بل هو تحويل اللهجة النبطية القديمة واستبدالها بلهجة الشارع أو لهجة المجتمع الدارجة وهذا ما يحيد بالشعر النبطي وجهته وسمته التي هي لهجته فيصبح شعرا شعبيا عاميا مثله مثل غيره من الشعر الشعبي في العالم العربي خارج الجزيرة العربية. إذن فالأمر أولويات والأولى الارتقاء من النبطي إلى الفصيح أو المزاوجة بينهما إن كان ولا بد. والخطر هو الانفراد بالنبطي والبعد عن الفصحى لان في ذلك تجاهلا للأصل يتبعه جهل به يتبعه فقدان تواصل وود يتبعه انفصال وعداء, والإنسان عدو ما يجهل. وفي أضعف الحالات فإن على الشاعر النبطي أن يكتب الشعر النبطي وهو يستلهم الفصحى ويحسن قراءتها وأعني بالقراءة التذوق ومعرفة لها مقومات من أهمها سلامة اللسان عند قراءة الفصحى وألا يقرأ الفصحى بالعامية. فإن كان ولا بد بقاء الشاعر نبطيا لا يكتب الفصحى فعلى الأقل عليه أن يكون نبطي التعبير غير عامي في تفكيره وفي صوره فالتجديد يكمن في تجديد الصور الشعرية والخروج بالشعر النبطي من أغراضه المعتادة إلى أغراض أرحب وأوسع ولكن بأسلوب أيضا جديد وبلغة تمازج وتزاوج بين اللهجة النبطية وبين الصور الجديدة, فالتجديد له مطلب واحد مهم وشرط لا ينفك عنه وهو الثقافة الأدبية العربية وليست الثقافة العامة بمفهومها الضيق المحدود في معرفة بعض المعلومات المتناثرة من مكتشفات الحضارة وبعض معارفها بل التجديد يلزمه قراءة مستفيضة في الآداب العربية أو على الأقل في نصوصه الخالدة والسبيل إلى ذلك هو استقامة لسان الشاعر العربي وتحويله من لسان نبطي غير فصيح إلى لسان عربي فصيح يؤهله لأن يصل إلى أسرار الجمال اللغوي في النص الفصيح وإلى سر خلوده. إذن فالحداثة في الشعر النبطي ليست كتابة القصيدة النبطية بألفاظ وعبارات الصحف والمجلات اليومية ولا بتحويلها من كلام له موسيقاه الجميلة وبحوره الثرة إلى كلام منثور, فالتجديد والحداثة في الشعر النبطي كتابته بانتقاء أوضح وأفصح ألفاظه النبطية الواضحة المعاني غير الوحشية والغريبة وذلك بتناول جديد في الغرض والأسلوب مع حفاظ على أوزانه وبحوره وذلك بنفسية وعقلية أدبية عربية وبتفكير عربي فصيح غير عامي. تجديد إن ارتياد المجالات غير المعتادة في الشعر النبطي له هدف واحد هو محاولة الخروج من التقليدية إلى التجديد ومحاولة الوصول إلى قلب القارئ ولفت نظره إلى قضايا أكبر وأوسع ولكن المحاولة الصعبة التي أردتها في محاولة كتابة الشعر النبطي هي مزج الأغراض الشعرية النبطية مع بعضها في نص واحد للخروج بنص يحمل ألوانا تشبه ألوان الطيف لها رقة الغزل وثورة العاشق لوطنه وحكمة المتأمل وعفاف المحب. ليس المهم أن تتناول هما عاما في نصك الشعري ولكن المهم ألا تكون مباشرا في تناول ذلك الهم بل أن تتناوله تناول الشاعر الذي يعلم الفرق بينه وبين الخطيب على منابر الخطابة. فالشاعر لا يدخل في تفاصيل الحدث ولا يتحدث عنه محللا بل يعرضه ويضفي عليه من روحه ألوانه, ومدى جمال اختياره لتلك الألوان هو الذي يجعل لوحته تلك مقبولة بما فيها من هم ثقيل على النفس مقبولا, وذلك ينطبق على الشعر العربي الفصيح والنبطي معا. نقد إن غياب نقاد الشعر النبطي يفسره أمر مهم هو عدم وجود حركة نقد أدبية وطنية واضحة وسليمة على ساحة الشعر عموما في الامارات. إن النقد علم وابداع: علم من حيث هو دراسات أكاديمية متخصصة يجب أن يمر بها من يجد لديه الموهبة الأدبية والميل الأدبي عموما وهي ابداع من حيث انه لابد للناقد أن يحوز شيئا من الابداع والانتاج الأدبي الرقيق أو التذوق الأبدي فكيف لساحة تفتقر إلى مهتمين بالدراسات الأدبية والآداب عموما بل تفتقر إلى ابداع شعري نبطي عام أن تنتج نقادا. إن النقد على عمومه يحتاج إلى معارف عديدة باللغة والأساليب الشعرية وذوق سليم يكفل تمييزا واعيا بين الغث والسمين, وحتى الآن ليس لدينا أولئك الأعلام من الباحثين الأدباء الذي له صفة الناقد الأدبي للشعر العربي عموما فصيحه ونبطيه. أعني في دولة الامارات ولا أعني العالم العربي. تقويم ليس لي أن أقيم الشعر النبطي في الامارات ولكن لي رأي لا أخشى بيانه: من ناحية الموضوع مازال أغلب الشعر النبطي يدور في موضوع واحد هو التغزل والتوجد فهو ذاتي مطلق ما عدا بعض المحاولات عند بعض الشعراء وهذا الخروج عن الموضوع غالبا ما يأتي ساذجا لا ابداع فيه بل كتابة لمجرد الكتابة في موضوع غير الغزل كالوطن والأحداث السياسية أو الظواهر الاجتماعية. أما من الناحية الفنية فالأمر يشابه الناحية الموضوعية فمازال الشعراء يكتبون الشعر النبطي بذات أساليبهم وعباراتهم وألفاظهم التي توارثوها ولم يضيفوا عليها جديدا بل جعلوها نسخا باهتة عن تراث قديم فيما عدا تجارب محدودة عند بعض الشعراء.