تتحرك الدول المغاربية في سبيل احياء اتحاد الدول المغاربية الذي لم يلتق قادته منذ سنوات لأسباب عديدة اولها تدهور العلاقات بين الجزائر والمغرب بسبب الوضع الامني الداخلي الذي عانت الجزائر، منه كثيرا واثر على مكانتها الاقليمية والدولية, وقد تدهورت علاقات البلدين في السنوات الاخيرة خاصة بعد اغلاق المغرب حدوده البرية مع الجزائر لاتهامه بعض الشبان الجزائريين بتنفيذهم اعمالا ارهابية في حق السياح الاجانب عام 1994 في المقابل اتهمت الجزائر المغرب بالتساهل مع عناصر الجماعات الارهابية عند عبورها الحدود المغربية وكانت هذه العناصر تقيم في المدن المغربية المحاذية للمدن الجزائرية الواقعة على حدود البلدين وتقوم بأعمال ارهابية بالمدن الجزائرية ثم تعبر الحدود الجزائرية ثانية متوجهة الى المغرب من دون ان تعترضها السلطات المغربية. الا ان تحسن الوضع الامني في الجزائر بعد تسليم العديد من عناصر الجماعات المسلحة نفسها للسلطات الحزائرية للاستفادة من قانون العفو الذي اقره لها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة اعاد النشاط للدبلوماسية الجزائرية لكي تتحرك مجددا وتسترد مكانة الجزائر الاقليمية والدولية بعد ان اثر فيها الوضع الامني الداخلي في السنوات الماضية وانعكس هذا الوضع بالايجاب على العلاقات بين الجزائر والمغرب وظهر ذلك في زيارات مسئولي البلدين للعاصمتين الجزائر والدار البيضاء واعلان قادة البلدين عن ارادتهما الصادقة على فتح صفحة جديدة من علاقتهما تخدم مصالح شعوب المنطقة خاصة وأن المنطقة بحاجة الى جهود البلدين في مواجهة التحديات المقبلة من الضفة الشمالية من حوض المتوسط, حيث ترغب الدول الاوروبية في اقامة شراكة اقتصادية وأمنية مع الدول المغاربية لقطع الطريق امام الولايات المتحدة التي تضاعف اهتمامها بالمنطقة المغاربية في السنوات الاخيرة وذلك لاحتوائها على اسواق اقتصادية تعتبرها الولايات المتحدة الامريكية حيوية بالنسبة لاقتصادها بدليل ان الولايات المتحدة الامريكية اختارت المغرب عندما ارادت الاعلان عن تأسيس المنظمة العالمية للتجارة ليكون البلد الذي اعلنت منه عن قيام هذه المنظمة التي تشرف الولايات المتحدة الامريكية من خلالها على ادارة الاقتصاد الدولي. وتمثل قضية الصحراء الغربية احدى المشكلات الكبيرة التي حالت دون تطور الاتحاد المغاربي ولا تزال تلقى بظلالها على العلاقات المغاربية خاصة بين الجزائر والمغرب بوصفهما القوتين المحوريتين اللتين يتوقف عليهما قيام النظام الاقليمي المغاربي الا ان الملاحظ ان الجزائر اعلنت اكثر من مرة التزامها الحياد في القضية لكي تسهل من مهمة الامم المتحدة المجال لاجراء الاستفتاء الذي ترغب في اجرائه لحل المشكلة بين طرفي النزاع المباشرين ــ اي المغرب وجبهة البوليزاريو ــ وعلى اساسه يقرر الصحراويون مصيرهم هل سيعيشون تحت السيادة المغربية ام سيعيشون في دولة مستقلة ذات سيادة, الا ان المغرب لا يزال يتهم الجزائر بوقوفها الى صف جبهة البوليزاريو الممثلة للشعب الصحراوي على الرغم من ان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة قال انه لا يستطيع ان يكون صحراويا اكثر من الصحراويين ولا مغربيا اكثر من المغاربة وهي اشارة واضحة منه على ان الجزائر لا دخل لها في الموضوع, الا ان المشكلة الاكثر حدة والتي تقف عثرة امام جهود الامم المتحدة في اجراء الاستفتاء تتمثل في اختلاف طرفي النزاع حول عدد الصحراويين المسموح لهم بالادلاء بأصواتهم حيث يطالب المغرب بضم اصوات اضافية لصحراويين من اصول مغربية وترفض جبهة البوليزاريو الاقتراح المغربي بحجة ان ذلك يتعارض مع مبادئ الاستفتاء التي اقرتها الامم المتحدة منذ سنوات, وعلى الرغم من ذلك فإن الاقطار المغاربية تبذل جهودا كبيرة لتجاوز هذه المعضلة تظهر في زيارات مسئولي دول المنطقة المتبادلة في المدة الاخيرة والتي يستشف منها ان زعماء المنطقة توصلوا الى قناعة مفادها ان الابقاء على الاتحاد مجمدا لن يخدم مصالح شعوب المنطقة خاصة وأن العديد من المعطيات الاقليمية والدولية كان لها بالغ التأثير على المحيط المغاربي منها توجه العالم نحو التكتلات الاقتصادية لمواجهة التحديات والرهانات الجديدة التي افرزها الواقع الدولي الذي تشكل مباشرة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق, حيث تجد الدول المغاربية نفسها اليوم امام رهان صعب اما التكتل لمواجهة المشكلات والرهانات الآتية من خارج المنطقة وإما البقاء في حلقة التبعية لدول جنوب اوروبا, الا ان الظاهر من المساعي الجارية لتجاوز الخلافات القائمة بين دول المنطقة ان هذه الاخيرة ــ اي الدول المغاربية ــ مدركة لمخاطر المرحلة على مستقبل شعوبها اذا ابقت على الوضع الراهن كما هو عليه, وعليه بدا الاعداد لترتيب البيت المغاربي منذ اشهر من خلال مساع تبذلها تونس لتقريب وجهات النظر بين الاقطار المغاربية وزيارة العاهل المغربي محمد السادس الى ليبيا الايام الماضية وأعلن خلالها العقيد معمر القذافي عن استعداده اذابة الجليد الذي يعكر العلاقات بين المغرب والجزائر. والملاحظ انه بعد فترة طويلة من العقوبات والمقاطعة التي فرضت على ليبيا ثم تعليق العقوبات بعد تسليم طرابلس المتهمين الليبيين المشتبه بضلوعهما في تفجير الطائرة الامريكية اصبح واضحا ان الشركاء الرئيسيين لليبيا وفي مقدمتهم ايطاليا وألمانيا على استعداد للتعاون في كثير من المجالات الاقتصادية, فالعملاق الهيدروكربوني الايطالي ( ENI) مثلا وقع مع ليبيا عقد بحث عن البترول قيمته 55 مليار دولار فليبيا لا تواجه اي تهديد من جيرانها الآن ويصب ذلك في مصلحة الاتحاد المغاربي لاحيائه من جديد. وبالرغم من محاولات الاتحاد الاوروبي تشجيع التحام اقليمي بين الضفتين الشمالية والجنوبية من حوض البحر الابيض المتوسط, فإن المغرب العربي عازم على مواجهة التحديات ويمكن لهذا الاتحاد ان يحقق الكثير لشعوبه اجتماعيا وسياسيا وأمنيا خاصة ان للاتحاد مقومات النجاح التي تفوق المقومات التي جعلت دولا اوروبية تنخرط في اتحاد ناجح حتى الآن وينتظر ان يستمر في النجاح. ان اتحادا مغاربيا يمكنه ان يحقق للمنطقة مكانة دولية اعظم على الصعيد الدولي ويحقق استقرارا سياسيا واقتصاديا ناجحا وقويا فهل يمكن ان يتحقق ذلك؟ ان ذلك امل كل عربي. كاتب وباحث في العلاقات الدولية