ثلاث وثائق مهمة اضيفت هذا الاسبوع الى رفوف مكتبة الكونجرس الامريكي لتظل كل منها شاهدة على بعد من ابعاد مسيرة الامبراطورية في هذا العصر الحدودي بين القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين, الوثيقة الاولى هي خطاب الوداع الذي ألقاه يوم الجمعة الماضي الرئيس السابق بيل كلينتون والوثيقة الثانية هي التقرير (المستقبلي) الذي اعدته وكالة المخابرات الامريكية سي آي اي حول ما سمته المفهوم الجديد للأمن القومي الامريكي في ظل الاحتمالات. وإن الرابط بين النص الاول والنص الثاني هو الرابط بين الابيض والاسود,. اي لا شيء فبينما يودع كلينتون الشعب الامريكي بنغمة تفاؤل عن الانجازات الكبرى التي وفرت (القوة) للمجتمع الامريكي ــ لاحظوا استعمال مصطلح القوة عوض مصطلح الرفاهية الذي كان عزيزا على اسلافه الرؤساء منذ ترومان الى بوش ــ يقوم تقرير المخابرات المركزية بتحليل اسباب الضعف او لنقل الهشاشة التي يتوقع ان يدخل منها تهديد محتمل لأمن ذلك المجتمع فمن نصدق يا ترى؟ هل الامبراطورية قوية ام ضعيفة؟ ام انها قوية في الماضي ما دام كلينتون قام بجرد سياسته خلال السنوات الثماني ام انما هشة مستقبلا ما دام تقرير خبراء الاستشعار الامني يضعون قائمة في مواطن الخلل وتكاثر الاعداء؟ التقرير المذكور يعدد كذلك مواقع النفوذ POWER في مجالات التكنولوجيا والتطور العسكري والانتشار الدبلوماسي, ثم يعدد التقرير الخصوم والاعداء فإذا بنا نفاجأ بأن (الدول الصعاليك) او (الدول الهمج) ليست الوحيدة التي تهدد الامبراطورية وهي تلك الدول التي تعود تقرير وزارة الخارجية الامريكية على تصنيفها كدول راعية للارهاب: ايران والعراق, ليبيا, افغانستان وكوريا الشمالية. بل تكتشف ان الاتحاد الاوروبي مثلا يمكن ان لا يحاول الحد من نفوذ امريكا...) وبالفعل فهذا الاتحاد اصبح (وقحا) حين استقر رأي قادته على تزويد اوروبا بجهاز دفاعي مستقل عن الحلف الاطلسي ولم يجد الرئيس الجديد ــ بوش الابن افضل من ان يتقبل تلك الرقابة الاوروبية بحكمة وصبر ناصحا الاوروبيين ان يتولوا امور دفاعهم ــ او بعضها على وجه الدقة ــ بأنفسهم. ويقول التقرير بأن التكنولوجيا المتطورة لن تعود وقفا على الامبراطورية بل سيزود بها اعداؤها من (الدول الصعاليك) والعصابات المنظمة والارهابيين. ولابد ان نضيف الى هاتين الوثيقتين وثيقة ثالثة مهمة وعلى غاية من الاهمية وهي الكتاب الذي ألفه ونشره المستشار السابق للأمن القومي في ادارة كلينتون انطوني ليك بعنوان (الكوابيس الستة) نشر مؤسسة (ليتل براون اندكمباني في 310 صفحات) وفيه يصنف الكوابيس التي تؤرق الامبراطورية وتقض مضاجعها وهي الارهاب الجديد بأشكاله المستحدثة اي غير المرتبطة بدول بعينها وهو ما يصعب ضبطه ومقاومته بالضربة الجراحية. ويستعرض ليك آثار انهيار الاتحاد السوفييتي على الجيوستراتيجيا العالمية في ظل العولمة واحتمال تشتت القوة النووية هنا وهناك بشكل يخرج عن رقابة الامبراطورية ثم يلفت ليك انظار زعماء الامبراطورية الى خطر الحرب المعلوماتية والالكترونية ومحاذير اختراق الانظمة المعلوماتية لمؤسسات شديدة الحساسية مثل البنتاجون ووكالة المخابرات المركزية قائلا أن عام 2000 وحده شهد 250 ألف محاولة اختراق منظمة او منعزلة لهذه الانظمة وبعضها نجح فعلا في تعطيل برامج دقيقة وسرية او تخريب جداول معلومات مخزنة. وبالطبع ينصح انطوني ليك باعتماد العمليات السرية والالكترونية للرد على هذه الاختراقات فيما يشبه (حربا كونية الكترونية تجر اليها الامبراطورية جرا...) وبالفعل فإن جورج تينيت رئيس وكالة المخابرات المركزية حينما سئل في لجنة من لجان الكونجرس عن هذا الاحتمال اجاب: (لسنا غافلين عن ذلك ونحن مستعدون له..). اما الامر الغريب ــ في نظري المتواضع ــ هو التقاء هذه الوثائق كلها حول حقيقة سبق ان صرح بها بشجاعة المفكر الامريكي المعروف ناعوم شومسكي قبل عامين في كتابه الاخير وهي ان امريكا عاجزة عن ادارة قوتها او السيطرة على حدود نفوذها. فقد تعاظمت الامبراطورية لدرجة انفلات زمام حدودها الافتراضية عن السيطرة والحدود الافتراضية هذه هي التي اطنب تقرير المخابرات وكتاب مستشار الامن القومي في تحليلها والخلاصة هي ان قوة الامبراطورية ونفوذها ليسا نتيجة احتلال مباشر او حتى انشاء مناطق تأثير, بل نتيجة حتمية للعولمة بكل ابعادها: السياسية والتجارية والالكترونية والثقافية دون حاجة للعسكر. ولكن اشواكا اخرى تخز قدم الامبراطورية وهذه الاشواك تهمنا نحن العرب بالدرجة الاولى.... وللحديث صلة.