ربما لا يعرف الكثيرون أن أبا نواس, زار مصر, وأقام بها وأنشد شعرا, دعاه الى الاقامة بها الخصيب بن عبدالحميد العجمى أمير مصر. واليه تنتسب منية ابن خصيب بالوجه القبلى, المعروفة الآن بمحافظة المنيا. كثيرا ما أفكر فى رحلته تلك, كيف جاء, وأين اقام, وماذا جال بخاطره؟ وفى هذه الأيام أفكر فيه أكثر بمناسبة الضجة المثارة حول الطبعة الشاملة من ديوانه والتى حاولت تقديمها الى القارئ وحالت دون ذلك عثرات! أبو نواس من الشعراء الذين ارتبطت بهم فنيا. ونفسيا, وهمت بأشعارهم, ولا أبالغ اذا قلت أنه واحد من أعظم شعراء الانسانية قاطبة, شاعت عنه صورة عامة رسمت له ملامح فى أذهان القراء العرب على امتداد عصور مختلفة. باعتباره شاعرا للمجون, والانحلال, والشذوذ, وكم من أشعار نسبت اليه, وحكايات ونوادر, تعكس الاراء المكبوتة, والرغبات الدفينة عند البشر والتى تحاول أن تجد وسيلة ما للتعبير أو الظهور, أو الذيوع, هذا ماجرى لأبى نواس, والذى فوجئت عندما زرت بعض زوايا الصوفية بالمغرب الأقصى. أنه موجود بأشعاره فى الأذكار والمدائح, ومايعتبره البعض أشعارا خمرية, يردده الهائمون فى حب الله, ويسعون فى الطريق اليه على أنها أشعار ذات دلالات روحية عميقة. ولهذا حديث مفصل, غير أن مايعنينى اليوم مجيئه الى مصر, وهذه فترة لم تكن عابرة, انما أساسية فى حياته. تقف المصادر التاريخية أمام المظهر وليس الجوهر عند ذكرها مجيئه الى مصر. فنجد تفاصيل دقيقة عن الهيئة التى قدم بها, إذ تقول انه جاء الى مصر فى زى الشطار أى المحتالين, جلباب ذو زى مجرور, ونعل مطبق, وكمين واسعين, كان خروجه مع سليمان ابن أبى سهل, فلما دخل على الخصيب بهذه الصورة إزدراه, واستخف به, ولم يهتم بقدومه. ما الفرق بين الواقع وبين الحكايات التى نسجت حول أبي نواس فى هذه الواقعة؟ لا أحد يدرى, ولكن المؤكد أنه قدم من بغداد بعد أن تعامل مع الخلفاء والأمراء, ولم يكن يجهل آداب الدخول على الحكام والوسائل التى يمكن أن يفتتح بها الطريق الى قلوبهم. ثم استدعى الى الديوان مرة أخرى وعندما دخل أنشد: أجارة بيتينا أبوك غيور وميسور مايرجى لديك عسير فإن كنت لا حلما ولا أنت زوجة فلا برحت دونى عليك ستور وجاورت قوما لا تزاور بينهم ولا وصل الا أن تكون نشور إلى أن قال: أما دون مصر للغنا متطلب بلى, إن أسباب الغنى لكثير فقلت لها واستعجلتها بوادر جرت فجرى فى جريهن عبير ذرينى أكثر حاسديك برحلة الى بلد فيه الخصيب أمير قال له الخصيب: إذا يكثر حسادها وتبلغ أملها, وأمر له بألف دينار, والقصيدة طويلة موجودة بنصها فى ديوانه. اليوم التالى دخل على الخصيب فأنشده: يا منّة إمتنّها السكر ما ينقص منى لك الشكر أعطتك فوق مناك من قبل قد كان قيل: مرامها وعر يمشي اليك بها سوالفه رشأ صناعة عينه السحر ظلت حميا الكأس تبسطنا حتى تهتك بيننا الستر إلى أن وصل الى آخر القصيدة وأنشد: أنت الخصيب وهذه مصر, قال له الخصيب, اذا لا يخيب أملك, ولا ينقطع مرادك, ثم أمر له بألف دينار أخرى, وفى اليوم الثالث أنشد قصيدة أخرى منحه بعدها الخصيب ألف دينار. يقول ابن منظور المصرى مؤلف كتاب (أبو نواس فى تاريخه وشعره ومباذله وعبثه ومجونه) وهو أيضا مؤلف أعظم قاموس فى اللغة العربية (لسان العرب), يقول إن الناس لما سمعت بما ألقاه أبو نواس من أشعار هاجت وماجت, بلغ ذلك ابن الخصيب الذى كان يشرب معه, فقال أبو نواس: دعنى أيها الأمير اسكتهم. فقال له: ذاك اليك فخرج أبو نواس حتى وافى المسجد الجامع, فصعد على المنبر, واعتمد على عصاه, وأنشد قصيدته الى مطلعها: منحتكم يا أهل مصر نصيحتى ألا خذوا من ناصح بنصيب وعندما أنهى القصيدة كان الناس قد هدأت مشاعرهم وتفرقوا مع أنهم سمعوا نفس الأبيات التى أثارتهم, وفيها يقول: فإن يك باق إفك فرعون فيكم فإن عصا موسى بكف خصيب رماكم أمير المؤمنين بحية أكول لحيات البلاد وشروب عاد أبو نواس الى مجلس ابن خصيب فأمر له بألف دينار أخرى, وقال له: أرتحل فما لك عندنا مقام, وزوده بهدايا ثمينة من طرائف مصر, واضح من المصادر العربية القديمة أنه نعم بعيشة راضية, وجمع عطايا عديدة, وكان يقول: يا سائلى كيف حالى؟ تنبيكه أشعارى بمصر صرت غنيا عن سائر الأمصار بها استقام طباعى وتم خلع عذارى كيف أثرت مصر فى أشعاره, الناظر فى ديوانه يلاحظ اشارات يستدل منها على زيارته لبعض الاديرة القبطية وشربه فيها, وأن كان لم ينص على اسم واحد منها أو يعين لها موضعه: هات من الراح فاسقنى الراحا أما ترى الديك كيف قد صاحا من كف قبطية مزنرة نجعلها للصبوح مفتاحا تقول للقوم من مجانتها بالله لا تحبسن الأقداحا فى السابع من رجب سنة مئة وواحد وتسعين هجرية, أمره لواليه على مصر الحسين بن جميل بأن يتولى كذلك أمر الخراج هكذا انتهت امارة الخصيب, وبدأ أبو نواس يستعد للخروج من مصر بعد سنة كاملة امضاها, أحب أبو نواس من مصر جوها المعتدل. قال مخاطبا أهلها: (إن دنياكم مستوية ولا حر لا برد عليكم, وأنتم تتصرفون فى حوائجكم سائر نهاركم, فى أوله وآخره وفى وسطه, وليس هذا لأحد غيركم). ومن الطريف أنه كان يخاف النيل وتماسيحه, وذكر ذلك فى أشعاره.