اذا لم أكن قد نسيت فإن نابليون بونابرت, كان اذا وقعت مشكلة او كارثة, يقول: فتش عن المرأة.. أما انا فأقول: فتش عن السياسة! ومع انني انفقت معظم سنوات حياتي اتابع احوال السياسة وانشط في مجالات متعددة منها, واحتفظ بها في خلفية كل ما اكتبه, سواء كان في الفن او في الثقافة او في الادب, فإنني في معظم الاحيان اتذكر قول الامام محمد عبده: (أعوذ بالله من لفظ السياسة ومن فعل السياسة ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس). وليس معنى ذلك انني ادعو الناس الى الانصراف عن الاشتغال بالسياسة, اذ الحقيقة انني ادعو الى العكس, ولكن بمعناه المحدد ان يضعوها في اعتبارهم حين يحاولون فهم ما وراء الزوابع التي تنشب فجأة, فتصنع من الحبة قبة ومن الصرصور فيلا, او اذا غمت عليه بعض المواقف او بدت له متناقضة. وكان ذلك ما استخلصته من قراءاتي في التاريخ, وخاصة تاريخ الادب والفكر. ومنذ ثلاثين عاما كنت اقرأ الاعمال الكاملة لخطب واحاديث ومقالات الزعيم المصري (مصطفى كامل) فأدهشتني الحملة العنيفة التي شنتها جريدة (اللواء) ضد كتاب قاسم امين الشهير (تحرير المرأة) الذي صدرت طبعته الاولى عام 1900 مع انه ــ ككل الكتب الرائدة ــ كتاب غلبان جدا, ومعتدل للغاية, لا يخرج عن المطالبة بأن تتعلم المرأة تعليما ابتدائيا على الاقل, وان يكون الحجاب شرعيا, اي ان تسفر بالوجه والكفين, وأن تخرج الى ميدان العمل في حالة الضرورة, كأن تكون فقيرة او حين لا تجد من يعولها بدلا من الانزلاق الى الرذيلة.. ومع ذلك فقد اثار عاصفة عاتية من المعارضة, واتهم صاحبه بالمروق من الدين ووصل الامر الى حد ان واحدا من الشبان المتهوسين دينيا, ذهب الى منزله وطلب من الخدم ان يستدعوا الهانم زوجة قاسم بك لكي تجالسه ما دام قد استحل لنفسه ان يطالب الاخرين بأن يتركوا حريمهم يخرجن سافرات ويخالطن الرجال... وكان مصدر دهشتي, هو انني اكتشفت من قراءة آثار (مصطفى كامل) الفكرية, انه كان اول زعيم مصري يتلقى تربية مدنية خالصة, بعكس من سبقوه من اقطاب الحركة الوطنية والحركة الفكرية, مثل (عمر مكرم) و(الطهطاوي) و(عرابي) و(سعد زغلول), بل وحتى بعض الذين خلفوه, مثل (سعد زغلول), فقد تعلم هؤلاء اما في الازهر, او على الاقل بدأوا حياتهم فيه, اما فهو فقد درس في المدارس المدنية ثم في مدرسة الحقوق الفرنسية وزار أوروبا وهو لا يزال في مقتبل عمره. وهو ــ فضلا عن هذا ــ يكاد يكون اول مفكر ليبرالي نقي, فقد كان يطالب بحكومة وطنية شورية ــ اي ديمقراطية ــ يقتصر دورها على حماية الامن الداخلي والامن الخارجي, وأن تترك ما عدا ذلك بما فيه التعليم والصحة والاقتصاد والخدمات, لمنظمات اهلية, او ما يعرف بمصطلحات هذه الايام بالمجتمع المدني. وكان بديهيا, وهذا هو موقفه الفكري, ان يدافع عن تحرير المرأة, كما يتوجب على اي ليبرالي, خاصة وأنه لم يشطط في افكاره, وقصر دعوته لتحرير المرأة على الحد الادنى الذي يتقدم بالمجتمع خطوة واحدة للأمام. وتجددت دهشتي من مواقف (مصطفى كامل) حين وصلت الى موقفه وموقف جريدة (اللواء) من قضية زواج الشيخ (علي يوسف) من السيدة (صفية السادات) وهي واقعة شهيرة منذ سلط عليها استاذنا الراحل (احمد بهاء الدين) الضوء في بداية الخمسينيات, كان الشيخ وهو صحفي شهير من انصار الخديو عباس حلمي الثاني يصدر جريدة يومية هي (المؤيد) ويرأس حزبا هو حزب الاصلاح ــ قد خطب لنفسه السيدة صفية, ابنة السيد عبدالخالق السادات, نقيب الاشراف, ولما سوف الاب في عقد القران, تزوجها من دون علمه, فأقام ضدهما دعوى قضائية طالب فيها بالتفريق بينهما لعدم التكافؤ في الحسب والنسب, بحكم ان الزوجة تنتمي لأسرة تعود جذورها الى الدوحة النبوية الشريفة, بينما الزوج ــ كما قالت عريضة الدعوى ــ يعمل في مهنة من احقر المهن تنشر عورات الناس وتسبهم, هي مهنة الجورنالجية ولا فخر! ومع ان الليبراليين, يؤمنون بأن مكانة الانسان تتحدد بمواهبه وعمله وكفاءته وشرفه الشخصي, وليس بحسبه ونسبه وأرومته, ومع ان مصطفى كامل نفسه, كان ينتمي الى اسرة متوسطة ليس لها اصل عريق ومع انه كان هو الآخر جورنالجيا فقد ساند السيد السادات ضد الشيخ علي يوسف, بل ولام الخديو عباس حلمي الثاني لوما عنيفا لتدخله علنا في القضية لصالح صاحب (المؤيد).. وعندما صدر الحكم بالتفريق بين علي يوسف وزوجته, تلقفه (مصطفى كامل) بشماتة بالغة, واسرع يكتب به الى صديقته جولييت آدم مبشرا اياها, بأن الدائرة قد دارت على (الباغي) الذي هو (علي يوسف)! وبعد بحث طويل عن حل لهذا اللغز فسر لي المؤرخ المعروف الاستاذ محمد شفيق غربال الامر حين قال ان (مصطفى كامل) كان ينشط من قاعدة خالية من كل تعقيد ومن كل شطارة: لمصر عدو واحد, هو الاحتلال, ولمصر مقصد واحد هو الجلاء, وما عدا ذلك فتفصيل له وقته, مهما كانت اهميته, اذ لا ينبغي ان يطغى شيء على المقصد الاساسي وهو الجلاء او ان يضعف من مقاومة العدو الاصلي وهو الانجليز. وكان قد مضى آنذاك على اجهاض الثورة العرابية, وعلى الاحتلال الانجليزي لمصر, حوالي عشرين عاما خمدت خلالها روح المقاومة لدى الشعب واستسلم الجميع للاحتلال, لذلك ركز (مصطفى كامل) همه في هذا الخطر الرئيسي, ولأنه كان يعرف ان مسألة المرأة من المسائل ذات الحساسية الخاصة لدى الرأي العام, فقد كان حريصا على ان ينفض يده من كتاب قاسم امين, حتى لا ينفض الناس عن دعوته, وذلك ايضا ما يفسره موقفه من قضية زواج الشيخ علي يوسف, فقد كان الرأي العام آنذاك ساخطا على الشيخ لزواجه بالفتاة على الرغم من ارادة ابيها, وقد بنى اعتراضه على تدخل الخديو, انطلاقا من ان ذلك يسيء الى سمعته السياسية لدى الرأي العام, في الوقت الذي كان يدعم فيه الحركة الوطنية المناوئة للاحتلال ويقف خلفها بكل قوته.. لم يكن (مصطفى كامل) اذن ضد تحرير المرأة, او من الذين يفرقون بين الناس على اساس احسابهم وانسابهم, ولكنه كان ينظر للأمور نظرة سياسية تضع لنفسها اولويات صحيحة, وندرك ان توحد الناس في مقاومة العدو الرئيسي, هو الذي سيفضي الى القضاء على الاعداء الفرعيين, وأن تحرير المرأة لن يؤدي الى استقلال مصر, ولكن العكس هو الصحيح! وكان ذلك ما حدث بالفعل, فقد كانت جنازة مصطفى كامل الذي هاجم (قاسم امين) هي اول مناسبة عامة, تخلع فيها المرأة المصرية حجابها, ولم يتنبه احد لذلك وسط طوفان الاحزان التي ألمت بالجميع, وبعد سنوات من ذلك كانت النساء المصريات تشاركن مظاهرات ثورة 1919, وكانت (صفية زغلول) زوجة زعيم الثورة (سعد زغلول) تصدر البيانات السياسية بتوقيعها لتتحول الى منشورات توزع على الناس, وكانت الهوانم زوجات كبار الباشاوات تشكلن مظاهرات تطوف بالسفارات الاجنبية تطالب بالاستقلال, وهن يضعن الحجاب على وجوههن وكان يسمى آنذاك (الياشمك) ويتكون من قماش ــ ابيض او اسود ــ خفيف يغطي الوجه من اعلى ارنبة الانف! اما وقد حصلت مصر على استقلالها الذاتي واصبحت تتمتع بدرجة من الديمقراطية فقد كان طبيعيا ان تحصل المرأة على نصيب من ثمار الاستقلال والديمقراطية التي شاركت في النضال من اجلها, وكان زعيم الثورة سعد زغلول هو اول من سمح لزوجته بأن تظهر سافرة وحدث بعد اسابيع من عودته من منفاه الثاني عام 1923, ان وقفت آنسة صغيرة تخطب امامه منهنئة اياه بالعودة لأرض الوطن, وما ان انتهت من خطبتها حتى قام فصافحها, ثم مد يديه ليخلع (الياشمك) الذي كانت تضعه على وجهها, وكانت تلك هي البداية الرسمية لسفور المرأة المصرية, ولعلها مصادفة لا تخلو من دلالة, ان تلك الفتاة كانت الآنسة (بثينة) كريمة المرحوم الشيخ (علي يوسف)! وفي عام 1926 كانت هناك دعوة لعقد مؤتمر يضم ممثلين لكل الدول الاسلامية, للنظر في اختيار خليفة للمسلمين, بعد ان اعلنت تركيا خلع آخر الخلفاء وتخلت عن الخلافة وكانت جريدة السياسة تعارض عقد المؤتمر, انطلاقا من ان الخلافة ليست ركنا من اركان الاسلام, وأنها كانت عبئا ثقيلا على تركيا. وفي هذا السياق دارت مناقشة بين رئيس تحريرها الدكتور محمد حسين هيكل وبين سعد زغلول الذي ايد موقف السياسة كما هو متوقع من زعيم ديمقراطي يدعو لتأسيس دولة مدنية لا دولة دينية فلما استأذنه هيكل في نشر ما قال, طلب اليه ان يصوغه ويعرضه عليه ليراجعه فلما عاد له به, رفض سعد زغلول ان يطلع عليه او ان يسمح بنشره او ان يدلي بأي رأي اخر في الموضوع قائلا له: هذه مسألة حساسة عند الجمهور, وسيحاول خصومنا ان يصبغوها بالصبغة الدينية, وأن يطعنوا علينا من هذا الطريق, وما اغنانا عن ذلك ما استطعنا.. وكان سعد زغلول ايامها مشغولا بمعركة اعادة الحكم النيابي الدستوري حريصا على الا يشترك في معارك جانبية او فرعية يمكن ان تصدم الناس وتقلل من حماسهم لمقصده الاساسي. وقد اثبتت الايام ان مصطفى كامل كان على حق حين نظر الى قضية تحرير المرأة باعتبارها وجها من وجوه قضيتي الاستقلال والديمقراطية التي ركز عليها جهده, واثقا انها ستحل تلقائيا في الوقت الملائم, بينما كان خصومه الرئيسيون في عصره, يركزون جهدهم على القضايا الهامشية مثل تحرير المرأة والدعوة للعقلانية بل وحتى المطالبة بالكتابة باللهجة العامية فكانت النتيجة ان المرأة تحررت حين استقل الوطن وليس حين صدر كتاب قاسم امين. وكان سعد زغلول الذي رفض ان يخوض معركة التصدي لمحاولة اعادة الخلافة الاسلامية, حتى لا تشوش على هدفه في اعادة الدستور, هو الذي اقام حكما مدنيا يقوم على قاعدة ان الامة مصدر كل السلطات اما خصومه في حزب الاحرار الدستوريين, الذين خاضوا هذه المعركة, فإنهم ما كادوا يتولون الحكم في عام 1928 حتى انقلبوا على الدستور, واقاموا حكما استبداديا. وكانت هذه النماذج التاريخية وغيرها, هي التي نبهتني في مرحلة مبكرة من حياتي الى التوقف عند الخيط الرفيع بين الحداثة والتقدم, فقد يكون قاسم امين حداثيا ــ او عصريا ــ سبق زمنه بدعوته الى تحرير المرأة, لكنه لم يكن بالضرورة تقدميا, لأنه لم يتنبه الى ان تحرير المرأة في الوقت الذي يخضع فيه الوطن كله برجاله ونسائه لاستبداد الاحتلال البريطاني هو مجرد اثارة لزوبعة في غير زمانها, لا جدوى منها الا اثارة الفرقة والخلاف حول الهدف الرئيسي والاهم لأن المجتمع لم يكن جاهزا لتقبلها. وقد كنت دائما, ومنذ بدأت الكتابة في صف القائلين بأن الديمقراطية السياسية, هي المعركة التي ينبغي ان يحتشد الجميع من اجل توسيع نطاقها واثقا من ان ذلك هو الذي يحل كل المسائل الفرعية التي تتعلق بها, خاصة ان تلك المسائل هي اكثر حساسية لدى الناس لتعلقها بأمور الاخلاق او امور العقائد الدينية.. ومن الحريصين على ان ابتعد عن عباب المعارك الطائشة التي يثيرها الحداثيون على هاتين الجبهتين بالذات, فتثير الرأي العام ضدهم, وتعزله عنهم, وتنفره منهم وتدفعهم الى الاحتشاد في اشرعة خصومهم من اعداء الحرية والتقدم.. والاهم من ذلك كله, انها تقلل من حماس الناس للفكرة الديمقراطية ذاتها, باعتبارها دعوة للتحلل الخلقي او لنشر الكفر! في بداية السبعينيات انتشرت موضة الميكروجيب بين الفتيات المصريات فأثارت اعتراض العناصر المحافظة في المجتمع, فإذا بفريق من الكتاب التقدميين ينبرون للدفاع عنها, ويتهمون المنددين بها بأنهم ضد التقدم, وهو ما كتبت اعترض عليه, فقلت بأن ارتداء الميكروجيب قد يكون دليلا على العصرية, بمسايرة آخر خطوط الموضة في العالم, لكنه على اي الاحوال ليس دليلا على التقدم, فالمرأة التي تحرص على التعري وتدعو الرجال للتعامل معها باعتبارها انثى تؤكد بذلك النظرة المتخلفة اليها باعتبارها كائنا لا يصلح لشيء الا للفراش.. وقلت ان المرأة التقدمية هي التي تناضل من اجل حقها في العمل وتثبت ــ بالثقافة والجدية ــ انها اهل للمساواة بالرجل, وقادرة على منافسته بتحرير عقلها من الجمود, لا ساقيها من الجيب! وقيدت آنذاك في جدول المحافظين والرجعيين. وفي منتصف الثمانينيات اثيرت زوبعة كبرى بعد ان تسللت الى الاسواق المصرية طبعة من كتاب (ألف ليلة وليلة) تحتوي على المشاهد الجنسية الفاضحة ولما صدرت تتالت المقالات تدافع عن حرية الابداع, وتعترض على مصادرة التراث فكتبت مقالا اعترض فيه على هذه الزوبعة لافتا نظر المشاهد الى ان المشاهد الجنسية في ألف ليلة وليلة, ــ كما يقول الذين قارنوا بين مخطوطاتها ــ اقحمت على النص في عصور الانحطاط, وان دور النشر تعودت ان تهذبها في كل مرة تدفع بها الى المطبعة لكي تتواءم مع ترقي الذوق العام, ومع القيود القانونية التي وضعت على نشر الالفاظ الاباحية, ليظل المخطوط الاصلي متاحا للدارسين والباحثين, وان التراث مليء بشوامخ الكتب التي تستحق الدفاع عنها, وأننا لا نطالب بحرية الابداع لكي نقرأ كتبا جنسية, بل لكي ننشر المعرفة العلمية والعقلية والديمقراطية, وابديت دهشتي لأن يثير اصحاب الزوبعة هذه الحملة لمصادرة ألف ليلة وليلة, بينما كانت الرقابة على المطبوعات الخارجية تصادر آنذاك عشرات الكتب السياسية والفكرية, من دون ان يثيرهم ذلك! وللمرة الثانية قيدت في جدول اعداء الحرية! وتكرر الامر لمرات عديدة كان آخرها اثناء الازمة الاخيرة التي اثيرت بسبب ثلاث روايات في مصر. انه الخيط الرفيع الذي لا يلحظه احد بين العصرية.. والتقدم! كاتب وصحفي مصري