المشهد كأنه شريط فيديو قديم اعيد تشغيله: آلة الاعلام العالمي تسلط حملة تنطلق دون مقدمات على الرئيس الفاسد في ذلك البلد الآسيوي.. مع انتشار قصص الفساد تمتلىء شوارع العاصمة بمظاهرات، منظمة تطالب بإقالة الرئيس.. يبلغ المشهد ذورته عندما تحيط المظاهرات الغاضبة بأسوار القصر الرئاسي.. تمتلىء البؤرة الاعلامية بوجه سيدة تقول التسريبات الاعلامية المتعمدة انها المرشح الاوحد لمنصب الرئيس الجديد.. يدخل الجيش في الصورة.. يغادر الرئيس الفاسد السلطة نهائيا وهو يحلم بالاستمتاع بعشرات الملايين.. وربما مئات الملايين من الدولارات في ارصدة حساباته السرية في الخارج.. وعندما تتسلم السيدة المرشحة منصبها رسميا خلفا للرئيس المغادر تلقي خطابا (تاريخيا) تعد فيه (بالعمل الجاد لاعادة البناء). في ميدان (اديسا) في العاصمة الفلبينية مانيلا جرى المشهد هذا الاسبوع. وفي الميدان نفسه قبل 15 عاما جرى المشهد نفسه وإن كان هناك فرق فهو ان الشعب الفلبيني الآن افقر مما كان عليه في عام 1986. الرئيس الفاسد في الثمانينيات كان فيردناند ماركوس. والرئيس الفاسد المغادر الآن هو جوزيف استرادا. وماركوس خلفته السيدة كورازون اكينو.. واسترادا خلفته السيدة جلوريا اوريو. هذا التماثل الشكلي في الصورتين يعكس في الحقيقة تماثلا جوهريا. فتحريك الاحداث والشخصيات جرى في الحالين بيد امريكية. وللولايات المتحدة هدفان ثابتان تجاه الفلبين: اولا حماية الوضع المتميز للشركات الامريكية العاملة هناك المتمثل في ان اي دولار امريكي تدخله احدى هذه الشركات الى الفلبين باسم الاستثمار تخرج في مقابله ثلاثة دولارات الى حساباتها الخارجية باسم (حرية تحويل الارباح).. وبالتالي فهو نهب.. وبينما تزداد هذه الشركات الامريكية غنى تزداد الفلبين فقرا. ثانيا: الابقاء على الوجود العسكري الامريكي داخل الفلبين المتمثل في (استئجار) قاعدة (كلارك) البحرية وضمان تجديد عقد هذا الايجار. وبالاضافة الى ان هذا الوجود العسكري فيه حماية لرؤوس الاموال الامريكية فإنه يتصل ايضا بأهداف الاستراتيجية الامريكية العريضة في شرق آسيا. ولم تترك الولايات المتحدة زيادة لمستزيد لمن يريد ان يعرف مغزى التغيير السلطوي الذي جرى هذا الاسبوع. فلم تتوان السفارة الامريكية في الفلبين عن اصدار بيان مدحت فيه الرئيسة الجديدة بينما لم تشر بكلمة قدح واحدة الى الرئيس المغادر. وما سيجري بعد ذلك في الفلبين في عهد الرئيسة جلوربا اوريو هو السيناريو نفسه الذي جرى في عهد الرئيسة السابقة كورازون اكينو: على خلفية قرار بإطلاق سراح السجناء السياسيين مطعم بخطب بلاغية عن (الاصلاح) سوف تواصل الرئيسة الجديدة منح المزيد من التسهيلات للشركات الامريكية مع تجديد عقد قاعدة كلارك البحرية. ومن جديد سوف تدور آلة الفساد ليزداد الشعب الفلبيني فقرا على فقر. في الثمانينيات وما بعدها عاش الرئيس ماركوس خارج البلاد متفرغا لأرصدته في الحسابات السرية وممتلكاته العقارية في نيويورك ولندن وهونج كونج. والى ان توفاه الله لم يقدم الى محاكمة. في مشهد هذا الاسبوع في مانيلا كان متاحا للجماهير الغاضبة ان تقتحم القصر الرئاسي لقتل الرئيس استرادا. وهنا, ولدى هذا المنحنى تحديدا, تدخل الجيش ليضمن للرئيس مغادرة هادئة وآمنة. ومثل سلفه ماركوس سوف يتفرغ استرادا لأرصدته الملايينية في الخارج. هكذا يقضي نص السيناريو المكتوب سلفا بيد أمريكية.