تقول النكتة العربية المريرة ان جاسوسا أمره رؤساؤه بأن يتصل بجاسوس آخر في بلد عربي, فقالوا له: اذهب الى العاصمة, واقصد الشارع الفلاني, وعندما تصل الى البناية رقم كذا اصعد حتى ترى اسم (أحمد محمد) ، على لوحة الباب, قل له ان الزرع اكثر اخضرارا في الخارج, فإذا رد عليك بأنه اكثر اخضرارا في الداخل, فسيكون هو المقصود, فسلمه الرسالة. وعندما ذهب الجاسوس الى العنوان اسقط في يده بعد ان وجد ثلاث لوحات تحمل اسم (احمد محمد)... ولم يكن امامه الا ان يجازف بطرق احد هذه الابواب الثلاثة, وجاءه صوت من الداخل: من؟ فقال الجاسوس, من خلال جهاز الاتصال: (الزرع اكثر اخضرارا في الخارج), فرد عليه صاحب الصوت من الداخل: (عفوا أنت بالتأكيد تريد جارنا الجاسوس, انه في الطابق الخامس)! وبالطبع هذه النكتة لا يغيب مغزاها عن الاذكياء, فهي تدل على انه ليس هناك سر في هذا البلد, وأن الامور كلها مكشوفة لكل ذي عينين وأن كل طرف يعلم من خفايا الطرف الآخر اكثر بكثير مما ينبغي. تذكرت هذه النكتة ــ فجأة ــ عندما طالعت عيناي المشهد المرعب الذي وزعته السلطة الفلسطينية على الكثير من محطات التلفزة العالمية, وهو مشهد عملية اعدام لمواطن فلسطيني قيل انه متعاون مع الاستخبارات الاسرائيلية. والموقف الذي تتابعت صوره امام عييني لم يكن سويا بأي حال, خاصة انه بينما تتم عملية الاعدام كان حشد من المواطنين يحيطون بالمشهد وهم يهزجون ويصفقون كأنما سرت في عروقهم نشوة عارمة لدى رؤيتهم لموت فلسطيني آخر بلفظ انفاسه امام عيونهم, وكأنما لم يكفهم انهم خسروا مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين في الانتفاضة الاخيرة وحدها. والذي لا شك فيه ان احدا لم يسأل نفسه عن مدى حجية الاتهام الموجه الى هذا المواطن المسفوحة دماؤه, خاصة ان الجميع سمعوا الاتهام مجردا من الدليل (بقطع النظر عن صدقه او كونه ملفقا) ولم يسمعوا دفاعا لا من المتهم ولا من وكيل عنه, الامر الذي يلقي ظلالا من الشك على المشهد كله... لكن التساؤل الذي تداعى الى ذهني في هذا المقام هو: ما الهدف الذي ترمي اليه السلطة الفلسطينية من وراء عرض هذا الحدث المؤلم والمرعب معا على شاشات التلفزيون العالمية؟ وما الذي يمكن ان يعكسه هذا الحدث عن الفلسطينيين في عيون العالم سوى انهم قوم دمويون يعشقون ازهاق الارواح, وتسودهم فرحة غامرة عندما يقتل واحد منهم, ولو بشبهة اتهام لم يقم عليه دليل؟ ولماذا الاعدام العلني في هذا الشكل المثير بتهمة التجسس لمصلحة الاسرائيليين؟ هل هو لردع اي فلسطيني تسول له نفسه ان يتعاون مع الاسرائيليين؟ ولكن كم سيكون عدد هؤلاء المتعاونين (المفترضين)؟ لا شك في انهم سيكونون من القلة بحيث تنتفي ضرورة هذا الاعدام (المسرحي) أو (الجماهيري). لعل الجميع الآن يعرفون ان القضية الفلسطينية ــ خاصة اثر الانتفاضة الاخيرة ــ تحظى بإجماع الفلسطينيين على مختلف مشاربهم, بل يتبناها معظم المواطنين العرب ــ مهما تباينت توجهاتهم ــ حتى عرب 48 الذين هم (مواطنون اسرائيليون) من الناحية القانونية على الاقل, يتبنون بشدة القضية الفلسطينية وليس ادل على ذلك من عدد الشهداء الذين سقطوا من هؤلاء المواطنين فداء للقدس وقربانا للأقصى. من اجل هذا فإنني اشك في الدوافع التي تقف وراء هذا (الاعدام المسرحي) وهي شكوك تحمل المرء على ان يفسر الحادثة كلها تفسيرا سياسيا يستند الى قاعدة الصراع بين السلطة ومناوئيها من المعارضين على الساحة الفلسطينية, وأن الامر كله ليس له علاقة بأسباب وطنية او قانونية! فربما تكون السلطة الفلسطينية قد ارتأت ان تسلك مع معارضيها ــ وهم كثر, من حيث العدد والتوجه ــ مسلكا تخويفيا, بحيث يكون الاتهام بالتجسس لمصلحة اسرائيل جاهزا لتعليقه في عنق اي فلسطيني تسول له نفسه ان يقف معارضا للسلطة في اي توجه من توجهاتها, وإسكات من يناوىء منحى تتخذه هذه السلطة لحل القضية من وجهة نظرها, وهو الامر الذي يشكك في الصورة التي سيكون عليها الحكم في الدولة الفلسطينية المقبلة, والطريقة التي سيتبعها النظام في تسيير عجلة المجتمع الفلسطيني, اذ من الواضح ــ لو تحققت هذه الشكوك ــ ان زمرة الحكم سوف ترفع في وجه مواطنيها شعار (لا صوت يعلو فوق صوت السلطة), وإلا فالاتهامات جاهزة والاعدامات ناجزة والجماهير موجودة لتشهد العملية رأي العين في فرح غامر وتصفيق حاد (!) وفي هذه الحال لنا ان نتساءل: اي مستقبل ستواجهه جموع الفلسطينيين من قادتهم في دولتهم المقبلة؟ لكن, برغم جوهرية الاسئلة التي طرحتها سلفا, والايمان بأهمية طرحها الآن, حتى لا يزداد عدد الشعوب العربية المقهورة شعبا آخر يضاف الى قائمة المغلوبين على امرهم, اقول برغم جوهرية هذه الاسئلة, لا يزال هناك سؤال تفرضه البداهة والمنطق... فبالله, على اي شيء يمكن ان يتجسس شخص فلسطيني لمصلحة اسرائيل؟ فإسرائيل من ناحية, ومناطق الحكم الذاتي الفلسطيني من ناحية اخرى هما متلاصقتان جغرافيا ومتداخلتان حياتيا وديمرغرافيا بحيث تبدو كل واحدة منهما صفحة مقروءة امام الاخرى, فما بالك اذ اضيفت الى (القراءة المباشرة) اجهزة التنصت الالكترونية التي تطلقها تل ابيب حتى على افراد السلطة انفسهم, ثم كاميرات التجسس المحمولة على الاقمار الاصطناعية (السواتل) والتي يمكنها التقاط ارقام اللوحات المعدنية للسيارات الواقفة في الشوارع الجانبية في غزة, وكذلك الرقابة المحكمة التي يمارسها الاسرائيليون حيال السكان الفلسطينيين؟ فإذا وضعنا الى جانب ذلك سيل التصريحات التي يدلي بها كل فريق من القوى الفلسطينية في الداخل والخارج بما يعكس نوايا هذه القوى في كل القضايا المطروحة على الساحة صغرت او كبرت, فمن حقنا ان نتساءل اذن ــ مرة اخرى ــ على اي شيء يتجسس فلسطيني اذا كانت الامور بمثل هذا القدر من الوضوح ان لم نقل (الشفافية)؟ وإذا كان قادة الفصائل الناشطة في العمل السياسي الفلسطيني يطالعون الناس على شاشات التلفزة, فأي غموض تسعى اسرائيل الى فضه او فكه بتجنيد العملاء من الفلسطينيين؟ وتعزيزا للسؤال السابق, نتساءل مرة جديدة: ماذا عن الاتفاقات بين اللجان الامنية المشتركة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية, حول تبادل لأسماء الخطرين (من وجهة النظر الاسرائيلية) وزج لآخرين في السجون التحفظية, بناء على قوائم تمليها تل ابيب على السطة؟ وماذا عن اللجان السياسية التي تجتمع وتنفض يوميا؟ كل هذا ويتهم شخص فلسطيني او حتى عشرة, بأنهم يكشفون للاسرائيليين ما لا يمكن لهم كشفه من تلقاء انفسهم! ان اي مراقب لن يخالطه كثير من الشك في ان هذه الاتهامات تنطوي على مبالغة كبيرة, ان لم يكن مغالطة ايضا! وخاصة حين نعلم ان فريق التفاوض الاسرائيلي يطرح على الفلسطينيين في كل مرة أسئلة طويلة وكل منها يتطلب اجابات مطولة عن ادق التفاصيل في الاجهزة والمؤسسات الفلسطينية تحت ذريعة ان هذه التفاصيل ستوضح معالم الطريق تمهيدا لتوقيع اتفاقيات السلام والحل الشامل. فأي سر خطير او أمر جلل يمكن ان يتهم به هذا الفلسطيني المعدم امام عيون العالم, وسط تصفيق وبهجة ابناء جلدته من جمهور الحاضرين؟! هذه الاسئلة وغيرها, من المشروع ان تطرح وأن توضح لها اجابات تخضع للمنطق والعقل, بعيدا عن المناورات السياسية والتبريرات الآنية, حتى يمكننا استشفاف الحقيقة, والربط المنطقي بين السبب والنتيجة... خاصة ان هذه الاسئلة قد لا يكون هنالك من في مقدوره طرحها عن قرب, خوفا من السقوط في دائرة الانتقام, لذلك فلا غبار اذا نحن طرحناها (من بعد) سعيا الى تحقيق مصلحة القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني قبل اي شيء آخر. لكن هل ينسينا الحديث عن التداعيات الداخلية لهذا الحدث, ان ننظر الى جانبه الدولي, باعتبار اننا لسنا نعيش وحدنا في هذا العالم من ناحية, ومن الناحية الاخرى ان القضية الفلسطينية تعتمد في كثير من طموحها على المجتمع الدولي الذي يساند آمالها ويدعم مواقفها في صراعها مع اسرائيل التي تسيطر على الكثير من (ميديات) الاعلام الغربي وتجيد لعبة استدرار التعاطف الدولي مع سياساتها برغم عدوانيتها السافرة, وهو الامر الذي يدفعنا الى طرح سؤال محوري آخر, على السلطة الفلسطينية حول اي نوع من الكسب يمكن ان تحققه هذه السلطة في المجتمع الدولي حين تعرض عى الرأي العام الغربي صورا حية تمثل اعدام شخص او اثنين فلسطينيين بذريعة التعاون مع اسرائيل, وخاصة بعد ان حقق الفلسطينيون ــ بانتفاضة الاقصى الاخيرة ــ كثيرا من التعاطف والاحترام الدوليين بوصفهم مناضلين عزلا, يتسلحون بالحجارة لاسترداد اراضيهم المحتلة من ايدي جنود مدججين بالسلاح؟ ألم يسأل الذين (نسقوا) هذا الاعدام العلني انفسهم: ماذا سيخسرون من حجم هذا التعاطف الكبير الذي كان ينبغي لهم ان يحافظوا عليه ويحرصوا على تعزيزه وبقائه امام عيون الجميع؟ اغلب الظن ان الفلسطينيين قد خسروا الكثير والكثير مما حققوه من تعاطف دولي بعد ان رأى العالم ــ باتساع عينيه ــ ان الفلسطينيين يقتل بعضهم بعضا, وان بأسهم بينهم شديد, وأنهم حتى لم يراعوا حقوق الانسان سواء بشأن الاتهام وتحقيقه, او بشأن هذا الاعدام (العلني) الذي ينافي ما تعارف عليه المجتمع المعاصر من قواعد تضمن للانسان كرامته حيا وميتا, برغم ان دينهم الاسلامي يحرم قتل النفس الا بالحق, ولا شك في ان الرأي العام الدولي سوف يقارن بين هذا المشهد الذي ينتمي الى (مسرح الرعب السياسي) وبين قاتل رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق, والذي لا يزال ــ وهو القاتل المتعمد ــ ينعم بحياة هادئة في سجنه يمارس حقوقه وراء القضبان على خير ما يكون, فلمصلحة من ستكون المقارنة؟! ولسوف يتساءل العالم عن هذا الشعب الفلسطيني الذي لم توحده قضيته العادلة التي هي قضية وجود وبقاء, او عدم وفناء, حتى لا تزال الكثير من فصائله يتحاربون فيما بينهم اكثر مما يحاربون اسرائيل, وسوف يتساءل العالم ــ ثانيا ــ عن هذا الشعب الذي ليس لروح الانسان لديه قدسية ولا لكرامته احترام, وإنما يقتل بالشبهة ويرشق بالرصاص امام عيون الحضور الغفير بين تصفيق وفرح. وسوف يتساءل العالم ــ ثالثا ــ عن مستقبل الدولة الفلسطينية المزمعة, وماذا سيكون رصيدها من حقوق الانسان وقيادة المجتمع بعد ان انفق اكثر من جيل فلسطيني حياته من اجل ان يسترد الشعب ارضه وكرامته وسيادته وحقوقه الانسانية المشروعة؟ وسوف يسأل العالم ــ رابعا ــ عن شبهة الاتهام بالتعاون التي ألصقت بمن اعدموا, خاصة بعد ان بدأنا نسمع عن تصفيات داخلية اخرها اغتيال هشام مكي منسق الاعلام الفلسطيني, حيث اغتيل في وضح النهار في احد فنادق غزة, والذين قاموا بالاغتيال هم فرقة منشقة عن (السلطة) وكانت التهمة هي الفساد! المسألة اذن ليست (تعاونا مع العدو) ــ كما تزعم السلطة ــ وإنما الذي يبدو للناظر المدقق هو نذر ريح سوداء ستهب على رفاق النضال, وهي قد تبدأ باقتلاع البعض ولكنها ــ اذا ما احتدمت ــ ستقتلع الجميع... وساعتها لن نعرف على اي فراش سوف تنام الدولة الفلسطينية (التي تتثاءب الآن) على فراش الديمقراطية وحقوق الانسان ام فراش الدكتاتورية التي يستحق الفلسطينيون افضل منها بكثير؟! * أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب