بعد ان كانت مفاجآت جوائز اليانصيب اللامعقولة, سمة من سمات المجتمع الامريكي والغربي, وبعد ان كنا نقرأ عنها وعن الفائزين بملايينها, صرنا نعيشها في مجتمعنا بشكل يومي, وصرنا من الذين ينتظرون ان يبتسم لهم الحظ (صدفة او قدراً) لنصبح احد المليونيرات الذين يثرون من اسهل الطرق واكثرها مجانية وغرائبية. واتذكر تماماً انني في سنوات ترددي على الولايات المتحدة الامريكية, كنت غالباً ما اعثر على حكايات اولئك الذين ربحوا سحب اليانصيب الذي كان يذاع على شاشات التلفزيون لافاجأ بمبلغ اليانصيب الذي يتجاوز مئات الملايين يسلم للفائز وفق جدول زمني قد يستمر عشرين عاماً. ومنذ تلك الايام التي قرأت فيها حكايات هؤلاء يروونها على الشاشات وفي الصحف وانا اتساءل: كيف يعيش هؤلاء البسطاء حياتهم بعد ان يتحولوا الى اثرياء بين ليلة وضحاها؟ والعجيب حقاً ان الذين يفوزون في سحوبات اليانصيب الخرافية هذه كلهم من متوسطي الحال والفقراء غالباً, وبطبيعة الحال فإن هذه الشريحة هي التي تسارع للاشتراك في هذه الفرص والعروض للخروج من مأزقها بينما لا يفكر فيها الاغنياء او كبار الاثرياء لعدم حاجتهم للمال ابتداء. لم اكن اتساءل من منطلق الغيرة او الحسد, ولكنني اجدها تجربة انسانية شديدة الحساسية والتعقيد يتورط في خوضها فقراء معدمون احياناً يجدون انفسهم وبشكل مفاجئ وقد امتلكوا مليون درهم ــ مثلاً ــ او مليون دولار, او عشرة كيلوجرامات من الذهب او اكثر من ذلك بكثير في دول كأمريكا وبريطانيا حيث تصل جوائز اليانصيب الى ملايين الدولارات او الجنيهات. ومنذ مدة عندما كنت احضر مؤتمراً في بيروت حدثتني صحفية يمنية عن سيدة فقيرة تعرفها في اليمن تلقت نبأ فوزها في يانصيب كانت قد اشتركت فيه في استراليا وبأن قيمة الجائزة عدة ملايين من الدولارات وان هذه السيدة ظلت في حالة انهيار لمدة ثلاثة ايام, كما قرأت تقريرا حول هذا الموضوع جاء في صحيفة (لوس انجلوس) يدعو الى الشفقة على الفقراء الذين يتحولون الى اغنياء بين ليلة وضحاها. لكن لماذا الشفقة على شخص يتخلص من الفقر ويدخل عالم الثراء الحالم المريح؟ علماء النفس يقولون ان هؤلاء الناس يعانون بعد هبوط الثروة عليهم بغير استعداد من مرض يطلقون عليه (اكتئاب الثروة المفاجئة)! والذين درسوا حالات مشابهة لفقراء تحولوا الى مليونيرات يقولون ان هؤلاء ينتابهم بالفعل شعور بالكآبة والبعد عن الناس, وعدم الثقة بالاصدقاء والبخل الشديد خوفاً على الثروة, او الانفاق الشديد تعويضاً لأيام الحرمان, بمعنى آخر تحدث حالة من عدم القدرة على التكيف مع وضع مادي واجتماعي مغاير شبيه بالانقلاب تماماً, خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الانسانية, حيث افترق اكثر من زوجين بسبب حصول احدهما على الثروة, وتفككت علاقات صداقة وشراكة عديدة, هل هذا يعني ان مقولة: (الفلوس تغير النفوس) صحيحة؟ احد الاطباء النفسيين يقول: ما يحدث لهؤلاء ليس بسبب المال بل بسبب التغيير الذي يقلب نمط الحياة رأساً على عقب خاصة فيما يتعلق بالعمل والاصدقاء والعلاقات الزوجية وفي حين يقرر اغلبهم ترك العمل للتمتع بالثروة, فإنهم يقعون فريسة سهلة للاكتئاب خاصة في مجتمعات (كأوروبا وامريكا) تعطي اهمية كبيرة وقيمة قصوى للعمل وعليه فليس من السهل ان تستيقظ فجأة لتجد نفسك وقد قررت بأنك في غير حاجة للعمل, حيث يشكل هذا القرار بداية المرض والاكتئاب. اغلب الذين حصلوا على الثروة قالوا انهم حصلوا على كل ما كانوا يتمنونه, لكنهم افتقدوا الشعور بالرضا والسعادة, وهذا امر قد يبدو غريباً, لكنها حقيقة يعرفها الاثرياء جيداً, وللأسف لا يصدقها الفقراء ابداً, ولكن حكمة يونانية قديمة تقول: (ليست الثروات هي التي توفر السعادة انها الطريقة التي تستعمل بها هذه الثروات).