لا أملك الا القول انه يتعين علينا ان نوفي الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون ما يستحقه من تقدير. في الاسابيع الاخيرة, اثارت خيبة امل العرب حيال جهود كلينتون الاخيرة للتوصل الى اقرار السلام في الشرق الاوسط ، سلسلة مدوية من الهجمات المريرة. وفي غمار ذلك تم ابراز الجوانب السلبية لكلينتون ورئاسته, في حين يجري انتظار جورج دبليو بوش بآمال كبار بعيدة عن الواقعية. ولست اشير الى ان الفلسطينيين كان عليهم ان يقبلوا باقتراحات كلينتون فقد قرأت النقد الفلسطيني للعرض الامريكي وتأثرت به كثيرا. وفي حقيقة الامر فإن من الانصاف القول بأن كلا من كلينتون ومستشاريه لم يقطعوا الشوط كاملا في غالب الاحوال في فهم التجربة الفلسطينية وتقدير عمق التطلعات الفلسطينية وقد قمت شخصيا وفي العديد من المناسبات بتحدي كلينتون فيما يتعلق بهذه النقاط. وقد عرقلت جهود السلام ألوان من القصور كانت موجودة كذلك. وعلى سبيل المثال اخطأت ادارة كلينتون بمواصلة الالتزام بما طرق في حملته الرئاسية لعام 1992 من انه سيمتنع عن انتقاد اسرائيل علنا. وأخطأتت الادارة الامريكية كذلك في مواصلة الالتزام بمنهاج ادارة بوش الذي يقضي بأن ترفع امريكا يدها عن عملية السلام وذلك في المرحلة التي اعقبت اتفاق اوسلو. وبينما كان اعضاء الفريق الامريكي المنتدب لجهود السلام حساسا على الدوام وحريصا على رصد متطلبات الرأي العام الاسرائيلي المتقلب فإنهم فيما يبدو لم يقدروا بصورة كاملة اهمية ما وصف على نحو استهجاني بـ (الشارع العربي). وكان معنى هذا كله انه لم تبذل الا جهود محدودة في التعامل مع قضايا دقيقة مثل عرقلة اسرائيل لنمو الاقتصاد الفلسطيني والانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الانسان الفلسطيني وتأثير عمليات المصادرة الاسرائيلية للأراضي وبناء المستوطنات واستخدام اسرائيل غير المشروع للأسلحة التي زودتها بها الولايات المتحدة. غير انني بعد ان اتيت على ذكر هذا مازلت اشدد على ان كلينتون ينبغي ان يوفى حقه من التقدير. فخلال السنوات الثماني الماضية حصلت تطورات مهمة بالفعل وخاصة بالمضي قدما بالمناقشة السياسية الامريكية للصراع الفلسطيني الاسرائيلي. وفي معظم الحالات يمكن ان نعزو التطورات الايجابية التالية بشكل مباشر الى جهود كلينتون الشخصية: لقد كان هنالك ارتفاع مضطرد لمستوى اللغة الرسمية المستخدمة لوصف الحقوق الوطنية الفلسطينية. ومنذ كارتر وصولا الى بوش كانت هذه الحقوق تقتصر على (التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني) ولكن كلينتون مضى بعيدا متجاوزا هذه الصياغة. فاستخدم اولا التعبير الاكثر ميلا الى الجانب الوصفي: (حق العيش كشعب حر على ارضه). ثم استخدم بعد ذلك تعبير (حق تقرير مستقبله على ارضه) وتحدث كلينتون بوضوح في تصريحاته الاخيرة امام منظمة مؤيدة لاسرائيل تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها ــ تحدث عن دولة فلسطينية واشار الى عاصمتين في القدس. وقد انحسرت الآن الضجة الكبرى التي سببها تصريح كلينتون في عام 1998 عن دولة فلسطينية. وعلى الرغم من الكلمات الغاضبة التي استخدمها كتاب الاعمدة الامريكيون اليمينيون فإن الدولة الفلسطينية هي حقيقة مقبولة في الخطاب السياسي الامريكي وقد ساعد الرئيس كلينتون في المضي قدما بذلك النقاش. حسبما يبدو من وجهة النظر التالية: أ) بينما استمر النظر الى القيادة الفلسطينية باعتبارها حركة منبوذة من الكثيرين في الكونجرس الامريكي, إلا انها واصلت تطوير علاقات مع البيت الابيض قريبة من العلاقات بين دولتين وهناك في الوقت الحالي لجنة مشتركة امريكية فلسطينية حظيت بقبول الرئيس الامريكي واضفى عليها الطابع الشرعي. وقد قاوم كلينتون في قمة تطويره لهذه العلاقة هجمات مريرة من الكونجرس واللوبي المؤيد لاسرائيل اللذين ضغطا على الادارة الامريكية وانهاء التعاون معها. ب) وعلى مستوى آخر وإن كان مرتبطا بالمستوى الاول فإن جهود كلينتون الشخصية للاعتراف بالأمريكيين العرب والمسلمين قد ساعدت الجانبين كليهما على وضع حد لعزله عن التيار السياسي الرئيسي في الولايات المتحدة وتوسيع نطاق مشاركتيهما في النقاش السياسي. وعلى الرغم من المقاومة الضارية من المجموعات المؤيدة لاسرائيل فقد رحب كلينتون بالمجموعتين واضفى الشرعية عليهما. واعترف بهما رسميا كشريكين كاملين في الحياة السياسية الامريكية. وقائمة المبادرات التي قام بها كلينتون ونائبه لتحقيق هذا الهدف المتمثل في مشاركة هاتين الجماعتين هي اطول من ان ندرجها هنا وربما يكفي القول ان تأثير جهوده لا يمكن الغاؤها وبدت جلية في الانتخابات الاخيرة مع قيام الحزبين كليهما بالتنافس بصورة نشطة في اطار جهود لم يسبق لها مثيل لاكتساب تأييد الامريكيين العرب وأصواتهم. وفي المحصلة النهائية فإن كلينتون يعد سياسيا كبيرا تعتبر السياسة بالنسبة له (فن تحقيق الممكن) ويقاس التقدم من منظورة بتوسيع نطاق الوصول الى ما هو ممكن بالفعل. وعندما كان كلينتون يواجه بمعارضة شاملة لجهوده في انجاز جدول اعماله المحلي, كان يسعى (لاستيعاب احتياجات خصومه ودمجها مع احتياجاته لايجاد صيغة جديدة يمكن ان يتبناها الجانبان. وفي غمار سعيه لتحقيق الممكن غالبا ما يتجنب المواجهات التي لا تفضي لشيء, وسعى بدلا من ذلك للوصول الى حلول وسط اقل من مستوى الكمال, وينظر اليها المحافظون بمرارة في ضوء انزعاجهم من نجاح الرئيس. وكان كلينتون في غمار ذلك يتعرض في بعض الاحيان للشجب من جانب الليبراليين في الحزب الذي ينتمي اليه والذين اتهموه بالتخلي عن المبادىء. وسجل كلينتون في النجاح يتحدث عن نفسه فحتى اشد منتقديه ضراوة يقرو ن بأنه خلال رئاسته فإن جميع المؤشرات التي ينبغي ان ترتفع كانت مرتفعة وجميع المؤشرات التي ينبغي ان تنخفض كانت منخفضة. وقد كان هذا المنهاج نفسه هو الذي سعى كلينتون الى جلبه الى ساحة جهود السلام في الشرق الاوسط. فقد رفض الصياغات التي لا تفضي الى شيء. بينما حاول الاعتراف بالضوابط المفروضة بفعل حقائق السياسة في اسرائيل وبفعل الكونجرس الامريكي وبذل جهدا حثيثا لتحقيق التوازن بين احتياجات كل من الفلسطينيين والاسرائيليين. ولم تكن النتائج واعدة على الدوام فقد اشار الفلسطينيون محقين الى ان المزيد من الاهتمام قد اعطى لمتطلبات الحقائق السياسية الفعلية في اسرائيل التي جوبهت بانتخابات دقيقة كما اشاروا كذلك الى انه في ضوء انعدام ثقتهم بسجل اسرائيل في تنفيذ الاتفاقيات السابقة فإنه يتعين على كلينتون القيام بشيء في هذا المجال. غير ان صياغة كلينتون الجديدة كانت اكثر غموضا في المجالات وأكثر محدودية في مجالات اخرى من ان تكون اساسا لاتفاق نهائي. ومن ناحية اخرى فإن منتقدي كلينتون في امريكا واسرائيل قد هاجموه بشدة واتهموه بخيانة اسرائيل وتدمير القدس. ومع ترك كلينتون للرئاسة فإن صياغته تعتبر من الناحية الرسمية غير مطروحة ومع ذلك فإن ما يبقى هو سجل لا يستهان به. فالمحرمات تم تجاوزها والمفاهيم تم اخفاء الطابع الشرعي عليها والخطاب السياسي الامريكي تغير بشكل دراماتيكي. وحتى اقوى منتقدي كلينتون من العرب ينبغي عليه ان يعترف بهذا فلنرفض ما يتعين علينا رفضه ولكن لا ينبغي علينا ان نخلط السيىء بالجيد. ان جهود كلينتون يمكن انتقادها ولكن لا ينبغي اضفاء الطابع السلبي التام عليها. ويتعين تثمينها والاعتراف بها والبناء عليها. رئيس المعهد العربي الامريكي بواشنطن