بعثت الامانة العامة للأمم المتحدة هذا الاسبوع برسالة معممة الى موظيفها (الذين خدموا او يخدمون في مناطق النزاع) التي استخدمت فيها ذخائر تحتوي على اليورانيوم المستنفد تحذرهم من (المخاطر المحتملة على الصحة). وهذه (المخاطر المحتملة) ادناها الاصابة بسرطان الدم كما صار معروفا ومتداولا. والآن فقط منذ حرب البوسنة في عامي 1994 و1995 وحرب (عاصفة الصحراء) ضد العراق في عام 1991 تتحرك الامم المتحدة بعد ان صار امر اليورانيوم المستنفد فضيحة عالمية تثير من الجدل في دول اوروبا وما بين اوروبا والولايات المتحدة بقدر ما اثارت هذه المادة القاتلة نفسها من غبار اشعاعي خطير يورث من استنشقه اشد العلل فتكا بالانسان. ومع هذا التأخير المشين يأتي تحرك الامانة العامة للامم المتحدة من اجل تنبيه موظفيها في مناطق النزاع في العالم متجاهلة تماما الضحايا من شعوب تلك المناطق ومن بينهم الشعب العراقي. لكن تحرك الامم المتحدة على علاته وتواضعه ينطوي على اعتراف دولي ضمني بأن هناك على اقل تقدير (مخاطر محتملة) من اليورانيوم المستنفد في الوقت الذي تحاول الولايات المتحدة انكار اي صلة بين هذه المادة وانتشار حالات السرطان بين عسكريين ومدنيين في العراق والبوسنة وكوسوفو. ان المطلوب في الامم المتحدة قانونيا وانسانيا ان تقوم باجراء تحقيق دولي لتحديد مدى صلة حالات السرطان المرتفعة بالعمليات العسكرية التي قامت بها قوات (التحالف الدولي) في العراق وقوات الاطلسي في البوسنة وكوسوفو. لقد دعت الحكومة العراقية الامم المتحدة بصورة رسمية الاسبوع الماضي الى اجراء مثل هذا التحقيق في الحالات العراقية بواسطة لجنة تمثل جهات علمية وطبية موثوق بها بالتعاون مع جهات علمية عراقية. وتأتي هذه الدعوة العراقية في سياق مطالبات عراقية لمدى السنوات العشر الاخيرة لفتت فيها بغداد نظر المنظمة الدولية الى حالات للمئات من المدنيين العراقيين, خاصة الاطفال, اصيبوا بأمراض السرطان وتشوهات خلقية. لكن عوضا عن التجاوب مع هذه المطالبات المتكررة حصرت الامم المتحدة, بضغوط امريكية لا تتوقف موضوع (التفتيش عن اسلحة ومواد الدمار الشامل) في العراق كذريعة لتمديد العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق الى أجل غير مسمى. ان الدمار الشامل الحقيقي هو ما مارسته القوة العسكرية للولايات المتحدة في العراق والبلقان. وبتواطؤ بين واشنطن والامين العام للامم المتحدة كان من الممكن ان تظل هذه الجريمة الامريكية طي الكتمان. لكن الفضيحة تفجرت على نحو أخذ واشنطن على حين غرة. فقد تحركت الحكومتان الايطالية والالمانية خلال الاسبوعين الماضيين لاثارة مسألة اليورانيوم المستنفد بعد ظهور حالات متكررة من سرطان الدم بين الجنود والضباط الذين شاركوا في قوات هاتين الدولتين الاوروبيتين في حرب البوسنة وحرب كوسوفو. وبعد انضمام حكومتي اسبانيا والبرتغال تجري هذه الحكومات الاربع الآن تحقيقات طبية في الاصابات لتحديد ما اذا كانت ناشئة عن ذخائر اليورانيوم المستنفد التي استخدمتها القوات الامريكية في الحربين المذكورتين. ولأن القوات الامريكية استخدمت ذخائر اليورانيوم ايضا في الحرب ضد العراق فإن التحقيقات الجارية في اوروبا سوف تنسحب نتائجها على العراق. وفي كل الاحوال فإن استخدام مواد الدمار الشامل بواسطة الولايات المتحدة لا ينبغي ان يكون مثار دهشة. فقد دخلت امريكا التاريخ باعتبارها اول دولة تستخدم السلاح النووي في القتال عندما اسقطت قنبلتين ذريتين على اليابان عام 1945 واستخدمت السلاح الكيماوي في فيتنام خلال الستينيات والسبعينيات.