إذا كان نصف الكأس الفارغ في الإعلام العربي الفضائي هو تلك البرامج التي تدعي بأنها (ثقافية تنويرية) وهي في حقيقة الأمر برامج مضيعة للوقت بل وتضليلية في كثير من الأحيان, ويشتمل كذلك هذا النصف الفارغ على تلك المسلسلات الدرامية التي تستهتر بذوق وعقل المواطن العربي على مدار 30 حلقة (ساعة) من البث اليومي, والتي غالبا ما تهطل علينا ببرق وصليل سيوف فنتازيتها التي لا تمت للتاريخ العربي أو شخوصه بصلة. ولكن ثمة نصف ملآن في ذات الكأس لا يمكن لأحد أن ينكر جوانبه الإيجابية, ويتمثل هذا التفاؤل الإعلامي أن بعض الفضائيات الإعلامية بتجاوزها الخطوط المحرمة على الصعيد السياسي وغيره قامت بدفع المشاهد العربي في كل مكان إلى هامش من الحرية الذاتية وجعلت منه مشاهدا مسنوداً بالوعي والتمييز, الأمر الذي جعله قادرا على الوقوف بآخر التطورات السياسية وغيرها, حيث استطاع أن يمتلك القدرة على رؤية الخارطة السياسية الاجتماعية دون التأثير المطلق التي كانت تمارسه المحطات المرئية القطرية على مدى عشرات السنين, حيث كانت هذه القنوات المقننة والموجهة هي المسار الوحيد نحو الوعي والإدراك الذي يشكل من خلاله المواطن العربي رؤيته الفكرية وبالتالي تؤثر هذه القنوات تأثيراً واضحا على الرأي العام الذي غالبا ما يكون بعيدا عن الرأي الواقعي. وما كان محرما ويعاقب عليه القانون الرقابي العربي بدافع تهديد (الأمن القومي) وسيادة بلد ما, أصبح الآن عاديا لا تتوقف عنده تلك الجهات وانما تسعى بدورها إلى الرد من خلال حضور ممثليها في الحدث للدفاع عن وجهة نظرها والتعقيب الموضوعي عليه. إن هذا التفاعل الإعلامي يعد شكلا من أشكال الديمقراطية الإعلامية التي فرضتها هذه الحوارات الفضائية وقد ساهمت في تعرية الكثير من الزيف الذي طالما غطى ملامحه غبار البوق الواحد. يمكن القول أن الفضائيات العربية تنقسم إلى نوعين: الأول من يتقدم إلى الأمام ويتخذ من إزاحته وتجاوزه للخطوط الحمراء أساسا للتطور والتقدم, والآخر من يرتئي بأن يكون تقليديا إخباريا يأتي متأخرا في كل المناسبات العربية والدولية. وهذا الأخير بالضرورة لن يبقى مع تزايد الوعي العربي الجمعي الذي يؤسسه النوع الأول من الإعلام الحر والمتمدد نحو هامش حرية متقدم وجريء. وهنا ونتيجة لهذا التحول الدرامي السريع الذي نشهده في عالم الإعلام, لا بد للأجيال القادمة أن تكون أقل رعبا من سوط الرقيب وأكثر وعيا وانتقائية لمصدر المعلومة بأشكالها المختلفة (المرئية ــ المقروءة ــ المسموعة) وسوف تساند المساحة الحرة غير المحدودة التي تمنحها الانترنت لمستخدميها هذا التوجه الديمقراطي للمشاهد العربي من أجل انتقاء الأفضل من مصادر المعلومة. إذن هو هامش جديد ومهم من الحريات لا بد أنه آت وبقوة في عالم الإعلام, ونعتقد بأن العديد من القنوات الفضائية سوف تجد نفسها مضطرة بأن تحذو حذو النوع الأول لكي تكون لديها مقومات البقاء وسط هذا الفضاء من الكلمة المرئية التي تصدح في الوعي العربي الجديد.