لهاتفه الذي يسبق زيارته كل صباح موعد لا يخلفه, وله دائماً فضل المبادرة الذي لا نستطيع مجاراته فيه, وتلك مزية من مزاياه وسجية قلما تجدها في البشر, فما بالك بمن هو في مثل منزلته ومكانته الأدبية والاجتماعية, إنه شاعر الامارات المبدع وأديبها حمد خليفة بوشهاب, اما صبيحة يوم الاحد فلذلك الهاتف وقع خاص وترقب يختلف عن بقية الأيام كونه يحمل لي في هذا اليوم ملاحظة قيمة ورأياً صادقاً لا يجانبه الصواب ولا يخالطه النفاق في الاستراحة, أظل في شوق الى سماعه خاصة اذا كان موضوعها ذا صلة بالشعر او الأدب أو التاريخ, لما لشاعرنا وأديبنا في هذه المعارف من باع طويلة وسعة اطلاع وذاكرة كثيراً ما غبطناه عليها, ناهيك عما يتمتع به من ثقافة شاملة وخبرة في شئون الحياة نراها متمثلة في شعره الجزل متعدد الأغراض وكتاباته المتنوعة في الثقافة والأدب والتاريخ. كان السؤال الذي بادرني به دون مقدمات صبيحة الأحد الماضي: (لماذا أمت أم الرشيد عن مهده في استراحة اليوم على خلاف ما اتفق عليه المؤرخون في كتبهم؟) قلت دافعاً عن نفسي التهمة وقد فاجأني السؤال: (لست أنا من أماتها يا أبا خليفة, ولكنه الامام الفقيه ابو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري في كتابه الامامة والسياسة قبل ما يزيد على ألف عام) قال محدثي على الطرف الآخر: (ولكن اغلب المؤرخين قد أجمعوا على أن الخيزران أم الرشيد عاشت الى ما بعد توليه الخلافة, وتذكر كتب التاريخ أنها كانت من الجواري فأعتقها الخليفة العباسي الثالث المهدي وتزوجها لتنجب له الهادي وهارون, وعرف عنها الفهم والحزم, فلما مات المهدي وولي ابنها الهادي انفردت بتصريف الأمور المهمة وأخذ الناس يقفون ببابها, فحاول الهادي منعها, وسعى في عزل أخيه هارون من ولاية العهد التي كان قد أوصى بها له أبوه وتولية احد ابنائه فلعبت الخيزران دوراً في منع حدوث ذلك, وقيل انها قد سعت في خنق ابنها الهادي وهو مريض, ولما ولي ابنها الرشيد حجت وأنفقت كثيراً في البر والصدقات, وماتت ببغداد فحزن الرشيد عليها كثيراً وحمل نعشها ودفنها بنفسه). قلت وأنا لا أزال أحاول دفع التهمة عن نفسي وتحميلها صاحب الإمامة والسياسة: (لعل ما تقوله هو الصحيح وأنت الأكثر اطلاعاً على التاريخ وكتبه, ولكن ابن قتيبة ينقل عن عمرو بن بحر الجاحظ صاحب الكتب التي تربو على الثلاثمئة والخمسين, الذي ينقل بدوره عن سهل بن هارون كاتب يحيى بن خالد البرمكي وخليفته على الدواوين بعد نكبة البرامكة, وهو الذي ولاه المأمون نظارة مكتبته الخاصة ودار الحكمة). قال شاعرنا الذي أثق بعلمه وأجل رأيه: (ولكن هناك من يقول ان كتاب الإمامة والسياسة منسوب كذباً الى ابن قتيبة وانه مدسوس عليه). وهنا وجدتها مناسبة للتوقف عند كتابة التاريخ ومن يكتبه, وما هو الظرف الذي يكتب فيه التاريخ, وكيف تسجل الأحداث, وهل كتب لنا المؤرخون الأحداث وسجلوها ام انهم دونوا لنا رأيهم فيها تبعاً لموقفهم من هذا او ذاك, فتلقفنا ما كتبوا ليستقر في وجداننا على انه من المسلمات, لتصدر عنه أحكامنا مؤيدة ومعارضة وتتشكل بذلك رؤيتنا فننطلق مدافعين عن هذا وموجهين نيران مدافعنا الى ذاك, ثم تغذي هذه الرؤية الجدل المتصل حول فترات مهمة من تاريخ الأمم لينتج عنه تقسيمها الى فرق وشيع, وهنا تكمن خطورة الأمر وتتبين لنا أهمية كتابة التاريخ والى أي درجة يجب ان يتحلى من يتصدى لكتابة التاريخ بالأمانة والصلاح, والى أي مدى يجب ان يراعي الله فيما يكتب, لما لذلك على حاضر الأمم ومستقبلها من انعكاس يخرج كتابة التاريخ من اطار السرد المجرد لأحداث الماضي ليدخلها مجال التأثير المباشر على الحاضر والمستقبل, والشواهد على ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى, نلمسها نحن أبناء الأمة الاسلامية ونعيش تداعياتها منذ أيام الفتنة الكبرى وحتى يومنا هذا, ونشاهد في كل ناحية من انحاء المعمورة ذلك الصراع المستمر المتجدد بين الشعوب والقوميات والأديان, فإذا ما تأملنا وجدنا جذوره تمتد الى حقب من التاريخ بعضها قريب واغلبها بعيد لا نعرف منها سوى انعكاسات أحداثها على الأجيال المتعاقبة من الأبناء والأحفاد حروباً لا تنتهي وخصومات لا تنفك قائمة ونزاعات متجددة على الأرض والمقدسات, بل ان الأخطر من ذلك هو هذا الجدل المستمر والخلاف القائم على العقائد بادعاء كل فرقة انها هي وحدها التي على حق وأن ما عداها على باطل, فإذا ما تحول هذا الاعتقاد الى عقيدة وجدت لها من يدعو الى فرضها بالقوة, وهنا تحدث الكارثة وتشتعل النار في بقاع الأرض المختلفة بعدد الأديان والعقائد والمذاهب الفكرية والقوميات المنتشرة فيها. وللعلامة الشهير عبدالرحمن بن خلدون مقولة جميلة في ذلك جاءت في مقدمته الشهيرة التي صدر بها (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). يقول ابن خلدون: (اما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال, وتشد اليه الركائب والرحال, وتسمو الى معرفته السوقة الأغفال, وتتنافس فيه الملوك والأقيال, وتتساوى في فهمه العلماء والجهال, اذ هو في ظاهره لا يزيد على اخبار عن الأيام والدول, والسوابق من القرون الأول, تنمو فيها الأقوال, وتضرب فيها الأمثال, وتطرف بها الأندية اذا غصها الاحتفال, وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال, واتسع للدول فيها النطاق والمجال, وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال, وحان منهم الزوال وفي باطنه نظر وتحقيق, وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق, وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق, فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق, وجدير بأن يعد في علومها وخليق). وانطلاقاً من هذه النظرة العميقة الشاملة تحدث ابن خلدون عن أصول العمران والنظريات الاجتماعية والسياسية وتصنيف العلوم وغيرها, مما جعله مؤسساً لفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع الذي يقول عنه انه فرع فلسفي جديد لم يخطر على قلب أرسطو, ناعياً على الفلاسفة المتقدمين اقتصارهم على دراسة العالم العلوي والذات الالهية وقولهم بآراء لا يمكنهم ان يبرهنوا عليها, أما هو فقد وقف عند العالم الذي نعيش فيه لأن معرفتنا به أوثق من معرفتنا بعالم العقل الذي عني به الفلاسفة, وقد وضع ابن خلدون لمن يتصدى لكتابة التاريخ شروطاً حين قال: (فهو محتاج الى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة, وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما الى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط, لأن الأخبار اذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الانساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق). ولشاعرنا الغيور على تاريخ الأمة أقول: اننا نختلف اليوم على ما نعيش من أحداث وما نرى من وقائع, وننقسم حول ضوء الشمس الظاهر للعيان اذ يرى كل طرف الحقيقة من الزاوية التي تتفق مع مصالحه وتتوافق مع هواه, فما بالك بنا ازاء ما لم نعش من أحداث وما لم نعاصر من وقائع, نراها بأعين غيرنا تنقلها لنا أقلامهم متأثرة بالزاوية التي يطلون من خلالها على المشهد, فتكون النتيجة هذا الاختلاف الذي يثري نقاشاتنا ان هو لم يفسد للود قضية, غير انه يصبح خطيراً إن هو تحوّل الى خلاف يفرق الأمة ويجد له من الروايات التاريخية ما يغذيه ويمده بأسباب الحياة كي تبقى جذوة النار متقدة, وتذهب محاولات العقلاء اطفاءها ادراج الرياح فتحل الكارثة التي ما بعدها كارثة, وتصطبغ اوراق التاريخ بلون الدماء التي تملأ محابر المؤرخين, وعندها تغدو بحاجة الى ألف ابن خلدون والى ملايين العقلاء من المستمعين ان كان المتكلم مجنوناً وتلك هي آفة (التأريخ).