آن الأوان اكثر من اي وقت مضى لاعادة تشكيل الطاقم الوزاري للسلطة الوطنية الفلسطينية لتتكون من عناصر متنوعة تعكس تمثيلا على مستوى قومي للفصائل الفلسطينية كافة بما في ذلك فصائل المعارضة.. وإلا فإن البديل ربما يكون حربا اهلية تعصف بالانتفاضة. أقول هذا القول وفي ذهني مؤشرات وقعت في الايام الاخيرة تنطوي على عناصر خطورة. واكتفي بواقعتين: أولا: داهمت مجموعة مجهولة من رجال فلسطينيين مواطنا فلسطينيا آخر وقتلته بالرصاص بزعم انه من الخونة المتعاونين مع الاجهزة الامنية الاسرائيلية. ثانيا: وقع هجوم مباغت على هشام مكي رئيس هيئة الاذاعة والتلفزيون الفلسطينية اسفر عن مصرعه اذ هو خارج من فندق في غزة. ولاحقا أعلنت منظمة فلسطينية تطلق على نفسها (كتائب شهداء الاقصى) مسئوليتها عن الحادثة. وبرر بيان المنظمة هذا الهجوم بأن الضحية ضالع في عمليات الفساد المالي الذي يعم اجهزة السلطة الفلسطينية. ماالذي يجمع بين هاتين الواقعتين الداميتين سوى عملية القتل نفسها؟ ما يجمع بينهما هو انهما وقعتا خارج اطار القانون والعدالة القضائية الرسمية. ولو كان كل من الضحيتين اسرائيليا لجاز اعتبار الحادثتين في سياق النضال الوطني ضد سلطة اجنبية احتلالية في حالة حرب مع شعب محتل. ان الواقعتين تشكلان سابقة خطيرة. ففي كل منهما نصبت مجموعة من المواطنين لا تحمل صفة قضائية من نفسها محكمة واتهمت مواطنا في غيابه وأدانته واصدرت في حقه حكما بالاعدام ونفذت الحكم ميدانيا. وهذا من شأنه ان يفتح بابا لممارسات مماثلة مستقبليا. ولأنه غير معروف على وجه الدقة القانونية ما اذا كان الضحية الاولى فعلا عميلا متعاونا مع الاسرائيليين وما اذا كان الضحية الثانية فعلا يمارس الفساد المالي فإنهما قد يكونان بريئين انهيت حياتهما ربما بسبب وشاية او اشاعة او لتصفية حسابات شخصية. وهذا هو وجه الخطورة. ففي اجواء التوتر السائدة في الاراضي الفلسطينية سيكون متاحا لأي مواطن فلسطيني او مجموعة مواطنين ان يستقصدوا مواطنا بدوافع شخصية مع إلباس الحادثة ثوب الخيانة او الفساد او غير ذلك. على ان هناك مغزى اعظم وأجل شأنا يمكن ان يستنبط من الحادثتين.. وهو ان السلطة الوطنية الفلسطينية ــ كجهاز للحكم ورعاية شئون المواطنين ــ لم تعد تتمتع بمصداقية تذكر لدى جمهرة المواطنين, خاصة فيما يتعلق بشئون العدالة والنزاهة. لمدى سنين ظلت قيادات الاجهزة الامنية الفلسطينية وعناصرها تسخر خدماتها لصالح الاجهزة الامنية الاسرائيلية تحت ذريعة (التنسيق الامني). وفي هذا الصدد جرى اعتقال عشرات من عناصر الفصائل الفلسطينية المعارضة لنهج اوسلو واحتجازهم لشهور طويلة دون محاكمة. كما تروى قصص لا تنتهي عن تعاون العناصر الأمنية الفلسطينية مع فرق أمن اسرائيلية لملاحقة الناشطين الفلسطينيين الذين تعتبرهم الاجهزة الاسرائيلية (مصدر خطر). وفي هذا السبيل جرى اغتيال مناضلين من اشهرهم (المهندس) يحيى عياش ومحيي الدين الشريف. على خط مواز انتشرت الاحاديث المتواترة عن فساد وزراء وكبار مسئولي السلطة الفلسطينية الى درجة ان مسألة الفساد اثيرت في البرلمان الفلسطيني (المجلس التشريعي). ورغم ان الرئيس عرفات شكل لجنة لتقصي الحقائق امام الضغط البرلماني الا ان اللجنة لم تباشر عملا. نستخلص من هذا ان فقدان الثقة جماهيريا في السلطة الفلسطينية بسبب تدني مصداقيتها من شأنه ان يجعل المواطنين العاديين يستخفون بها.. وبالتالي يأخذون القانون في ايديهم. وإزاء وضع كهذا يصبح من اللازم اعادة النظر في طاقم السلطة بغرض تكوين طاقم جديد قادر على استعادة الثقة الجماهيرية. والافضل هو ان يكون الطاقم ذا تركيبة قومية تشارك فيها كل الفصائل بما في ذلك فصائل المعارضة. اما اذا استمر الوضع الراهن على ما هو عليه فإن الخشية هي ان يتسع نطاق المبادرات الانفرادية بين المواطنين في محاكمة بعضهم البعض بتهم الخيانة والفساد.. وهذا طريق خطير قد يفضي الى حرب اهلية.