لأكثر من خمسين عاما نجحت الاستراتيجية الامريكية في ترجمة امكاناتها الصناعية والتكنولوجية إلى مزايا فعالة في ميادين القتال, من جراء التطبيقات محكمة الدقة في بناء وتطوير القوة القاتلة المدمرة بكل أبعادها. إلا أن استخدام هذا الوضع لأكثر من نصف قرن أصبح في رأي خبراء البنتاجون أمرا مشكوكا فيه ولايمكن ضمان بقائه, خاصة بعد أن أثبتت خبرات الحروب في التاريخ أن الميزة العسكرية السائدة لدولة عظمى, غالبا ما تتوقف فعاليتها في النهاية على الاستجابة المضادة والمتكافئة من قبل الدول ــ الدولة الخصم, والتي بنجاحها في تحييد عناصر القوة واستثمار عناصر الضعف في الدول العظمى, يمكن لها أن تحول الأفضلية والميزة إلى جانبها. لذلك أجريت دراسات عديدة في وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاجون ) وعدد من مراكز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية حول ما أطلق الأعداء المتكيفون : كيفية التعامل مع التهديد الاستراتيجي بعد عام 2010 وتوصلوا إلى نتيجة مفادها أن نصف قرن من ممارسة أسلوب الحرب مضادة للقوة الأمريكية ستمثل في العقد المقبل تحديا حقيقيا للولايات المتحدة, بل خطرا وأكثر فاعلية من الاصطلاح المتداول في البنتاجون حاليا وهو (الحرب متعارضة الأوجه ). حيث يؤكد الباحثون الأمريكيون أن خصوم الولايات - خاصة في مناطق التوتر من العالم حتما بما لديهم من قدرات ابداعية سيطورون أساليب جديدة للحرب ستركز على الحاق الهزيمة بما تتمتع به القوات الأمريكية حاليا من أسلحة دقيقة ومؤثرة. فلا ينسى الأمريكيون كيف أن الجيوش الفيتنامية والكورية عندما قلدت النموذج الصيني في الحرب, أمكنها أن تلحق الهزيمة بالقوات الأمريكية رغم تفوقها التقني والمادي في الحروب الكورية والفيتنامية. ويحمل هذا المفهوم في طياته تهديدا خطيرا للعسكرية الأمريكية وللولايات المتحدة وهي تخطو أولى خطواتها في القرن الجديد, إذ أن الجيوش الوطنية في الدول المعادية للنفوذ الأمريكي في مناطق مختلفة من العالم, والتنظيمات العسكرية غير الرسمية التي يطلق عليها الغرب منظمات ارهابية ويملؤها الحماس الوطني وتتمتع بمهارة قتالية وخبرات عالية, ستتكيف بمرونة على أرض المعركة, وبما يزيد فعالياتها في مواجهة القوات الأمريكية وهو ما سيفرض على الأخيرة أن تتكيف بدورها في مواجهة هذا التكيف المنافس. تهديدات مستقبلية بعد حوالي عقد من الزمن على هزيمة القوات العراقية في حرب (عاصفة الصحراء) على أيدي القوات الأمريكية, تجد العسكرية الأمريكية نفسها الآن في مواجهة عدد من الفاعلين القادرين على الحاق سلسلة من الخسائر بالقوات الأمريكية اذا ما وقعت مواجهات في العقد المقبل من قبل دول أطلقت عليها الولايات المتحدة (الدول المحبطة) في منطقة الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا, والتي تشكل جزءا من العالم النامي, ويأتي هذا الاحباط نتيجة السياسة الأمريكية التي لا تراعي المصالح والأماني الوطنية لشعوب هذه الدول, في الوقت الذي تستغل فيه ثرواتها ومرافقها ذات الأهمية الجيوبولتيكية لأقصى مدى. ويطلق عدد من الباحثين الأمريكيين على هذه الدول اصطلاح (الدول الانتقالية) بالنظر لكونها تقع على أول طريق تطوير وسائل وامكانات اقتصادية تمكنت من توفير موارد دعمت من قدراتها العسكرية, مثل ايران والعراق. ورغم أن معظم الدول (الانتقالية) لا تتبنى في النظرة الأمريكية أنظمة حكم ديمقراطية, إلا أنها في نهاية العقد المقبل ستكون قادرة على امتلاك قدرات عسكرية تمكنها من تحدي المصالح الأمريكية والغربية في مناطقها. كما أن هذه الدول من المتوقع أن يزداد عددها بعد زوال الأنظمة الحاكمة الصديقة للولايات المتحدة حاليا, وتولي أنظمة حكم جديدة ليس من المضمون استمرار صداقتها للولايات المتحدة, الأمر الذي سيزيد من حجم التحدي الذي سيواجه الوجود العسكري الأمريكي في مناطق مختلفة من العالم, ويفرض بالتالي التحسب المسبق لمواجهته. وقد أفادت البحوث والدراسات التي أجريت في الولايات المتحدة عن المشاكل الاستراتيجية والتكتيكية التي ستواجهها القوات الأمريكية في العقد المقبل, عن ادراك عدد من نقاط الانكشاف الخطيرة التي تعاني منها هذه القوات, تتمثل في الآتي: * عدم استعداد الحكومة الأمريكية والرأي العام الأمريكي لتقبل حدوث اصابات كثيرة أو قليلة في الأفراد الأمريكيين, وحساسيتهم الشديدة لهذا الأمر, حتى وصل الوضع في حرب البلقان الأخيرة في كوسوفو ليس فقط الى عدم الزج بقوات مشاة أو مدرعة أمريكية في القتال, بل أيضا الى اتخاذ قرار بعدم استخدام أسلحة متطورة مثل الهليوكبتر (أباتشي) صائدة الدبابات تخوفا من احتمالات اسقاطها بالدفاعات الجوية الصربية. * عدم تحمل حروب طويلة الأمد, والافتقار الواضح للصبر في القتال, خوفا من حدوث تحول في الرأي العام الأمريكي لا يساند القيادة السياسية في قرارها بخوض الحرب, ناهيك عما تشكله مثل هذه الحروب من استنزاف مادي وبشري وسياسي للولايات المتحدة ليست على استعداد لتقبله. * التزام القوات الأمريكية بنمط واحد من القتال يركز بصورة رئيسية على بعد واحد هو توجيه ضربات نيرانية كثيفة بوسائل قتال دقيقة وبعيدة المدى, بحيث تكون في منأى من الأسلحة المضادة, يتم بعدها الزج بالقوات البرية بعد ضمان تحقيق نسبة خسائر في الخصم نتيجة الضربات الجوية والصاروخية تصل إلى 50%, وقد لايتم الزج بهذه القوات وتستمد الضربات النيرانية بأمل تحقيق الهدف في كسر إرادة الخصم دون حاجة لتوريط القوات البرية في معارك تكبدها خسائر بشرية لا تستطيع تحملها. استراتيجية مضادة في مواجهة نقاط الانكشاف هذه التي تعاني منها الاستراتيجية العسكرية الأمريكية, يخطط خصوم الولايات المتحدة لاستراتيجية مضادة تستفيد من عناصر الضعف هذه, وتعظم في ذات الوقت من عناصر القوة المتوافرة لدى هؤلاء الخصوم. وأبرزها كيفية الاستفادة من عامل الوقت والصبر وقوة الإرادة والقدرة على تحمل الخسائر, وذلك بالإصرار على استمرار القتال وفرضه على القوات الأمريكية مهما حققت من انتصارات أولية, فهي لا تشكل نصرا أساسيا, والذي يحسم أمره مجمل محصلة نتائج الحرب في نهايتها. من ثم فإن تورط الأمريكيين في حروب استنزاف طويلة الأمد, وشن عمليات متتالية خاصة ومفاجئة تستهدف ضرب أهداف عسكرية ومدنية أمريكية ذات قيمة سياسية واستراتيجية واقتصادية ومعنوية للشعب الأمريكي. من الممكن أن تدفع الأمريكيين إلى التخلص بسرعة من الحرب, لاسيما إذا ما تعددت هذه الضربات في وقت واحد, ونجحت في تشتيت جهود القيادة والقوات الأمريكية كما حدث في فيتنام وفي الصومال. كما يدرك خصوم الولايات المتحدة محدودية النتائج التي يمكن أن تسفر عنها الضربات الجوية والصاروخية والمدفعية الأمريكية,مهما استخدمت من ذخائر ذكية, خاصة إذا ما نجح الخصوم في تحصين دفاعاتهم وأهدافهم الاقتصادية والاستراتيجية وأخفوها جيدا تحت الأرض, وأمكن لقواتهم أن تناور وتنتشر بسرعة وبخفة حركة عالية على اتساع مسرح العمليات. فإنه من الممكن لقوات الخصوم أن تقلل بذلك من خسائرها البشرية والمادية لأدنى حد, وعندما تحين لحظة مواجهة القوات البرية الأمريكية ستكون مستعدة لذلك بكفاءة متتالية لن تقل عن 50- 75% مما يكبد الأمريكيين خسائر بشرية ومادية جسيمة, لاسيما إذا ما كانت معنويات الخصوم في درجة عالية. خبير استراتيجي مصري