غلالة من الكآبة تملأ المناخ العام, يزيد من وطأتها فقد صديق عزيز غيبه الموت, أحمل همومي وأمضي في طريقي للعمل . في منتصف الطريق أدير المذياع لأتابع ما يجري التقط بين اللغو الكثير تاريخ اليوم, والذكرى التي لا تغيب . أستدير بالسيارة وأتخذ طريقي إلى حيث يرقد منذ الرحيل. اليوم هو ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر لو عاش لكان الآن في الثالثة والثمانين, ولكنه رحل مبكرا . لم يمهله القدر ليقود معركة الثأر في أكتوبر المجيدة . كانت الهزيمة في 67 قد قصمت ظهره وظهرنا, ولكنه استطاع أن يلملم الجراح وأن يستعيد الأمل وأن يبني الجيش من الصغر, وأن يهزم كل الرهانات على أن مصر قد انتهت ولم يبق أمامها إلا التسليم بالهزيمة وقبول شروط الاذعان . ومن قلب الهزيمة المريرة انتزع إرادة المقاومة, وفي لهب المعارك المستعرة استعاد اليقين بالنصر القادم, ومن ذخيرة 15 عاما في ظل الثورة وبناء الوطن وجد جيلا جديدا استطاع أن يبني منه جيش المليون مقاتل من أبناء الفلاحين الذين نالوا ــ في ظل الثورة ـ حقهم في العلم ومكانهم في الحياة, والذين هبوا في عز الانكسار لكي يدافعوا عن كل ما آمنوا به وعن كل ما حصلوا عليه بعد طول هوان وحرمان . هذه الأيام بالذات هي ما نحتاج لتذكرها الآن . فقبلها كنا نسير تحت قيادته الملهمة- من نصر إلى آخر . ورغم التحديات والمصاعب لم نفقد الأمل في قدرتنا على تحقيق المعجزات, وكم من معجزة حققنا .. النصر في معركة 56 كان معجزة, وقيام الوحدة بين مصر وسوريا كان معجزة, والصمود في وجه الانفصال ومؤامرات الاعداء كان معجزة, وبناء السد العالي كان معجزة, وإنهاء الاحتلال الاجنبي لمصر ثم للأقطار العربية كان معجزة .. وما أكثر ما تحقق, ولكن كان ممكنا لأن يحدث ونحن نملك زمام المبادرة ونملك اليقين بالنصر ونملك الإيمان بأننا قادرون على صنع المستقبل الذي نريد . أما تلك الأيام الصعبة بعد 67 فكانت شيئا آخر . فالهزيمة صاعقة والعدو ينتظر استسلامنا, ونحن نتحرك وعلقم الانكسار في أفواهنا, وذل ما حدث يطاردنا, والخروج من الأزمة يبدو مستحيلا . وكم كان عظيما هذا الرجل الذي استطاع في هذه السنوات المريرة العظيمة أن يقود المسيرة وأن يزرع الأمل من جديد, وأن يجعل الثأر هو الممكن الوحيد, وأن يكون على مستوى الشعب الرافض للهزيمة, وعلى قدر الرسالة التي تحملها الأمة, وعلى مستوى الأمانة التي تتحملها في مواجهة قوى الظلام والتخلف . هذه السنوات العظيمة الصعبة والمريرة أيضا, هي ما نحتاج لأن نضعه أمام عيوننا الآن, رفض الهزيمة, احتشاد الأمة, اقتران الإيمان بالعلم, واليقين بأن ما أخذ بالقوة لن يعود إلا بالقوة, الإدراك العميق بأن الثمن الذي سندفعه باهظ والاستعداد التام لدفع الثمن وقبول التضحيات, موكب الشهداء وهو يعبر المستحيل إلى النصر الموعود وعلى رأسهم شهيدنا الأعظم الذي شاءت له الأقدار أن يرحل قبل أن تكتمل عيناه بالنصر العظيم . 2- أمام الضريح أقف خاشعا أقرأ الفاتحة . في قاعات المسجد وجوه أعرفها من المهتمين بالسياسة . بهدوء تقف إلى جانبي .. امرأة في منتصف العمر, تقف بخشوع, تفتح حقيبتها وتخرج مصحفا شريفا, تفتح المصحف وتبدأ في القراءة أتذكر وجوها قابلتها هنا في مناسبات سابقة . الفلاحة العجوز التي جاءت وهي تحمل على رأسها سلة مملوءة بالفطير الذي توزعه الأسر المصرية عندما تزور المقابر والذي تسميه, فطير الرحمة لأنها تبذله طلبا للرحمة على من فقدتهم . الفلاحة الفقيرة كانت تجود بالقليل الذي تملكه طلبا للرحمة لهذا الذي أعاد إليها الاعتبار, وتسافر مئات الكيلو مترات من قريتها البعيدة لتقوم بالواجب تجاه الكبير الذي رحل, تقدم العزاء لأسرته ثم تمضي لحالها.أفواج الفلاحين والعمال والبسطاء لم تنقطع يوما عن هنا . كانوا يحفظون الجميل للرجل الذي أعادهم للحياة, بعد الموت الطويل في سنوات الحرمان. في إحدى المرات أصر واحد منهم أن يكشف لي ظهره لأرى علامات الكرابيج التي ألهبت ظهره وهو يستنزف سنوات عمره في العمل في أرض الاقطاعي قبل الثورة . ثم باعتزاز يقول : لي الآن أبناء أطباء ومهندسون .. وواحد منهم يسقط شهيدا في الحرب . وتسقط من عينه دمعة لا تنجح في أن تزيل ما على وجهه من كبرياء . في الأعوام الأخيرة كنت ألمح تغير النظرة في عيون هؤلاء البسطاء . هذا الزمن ليس زمانهم الأرض لم تعد لمن يفلحها كما كان الحال مع عبد الناصر, والعمل لم يعد حقا لكل قادر عليه . قوانين السوق وحدها عادت تحكم, والفلاحون أخرجوا من الأرض التي كانوا يستأجرونها, وشبح البطالة يطارد عمال المصانع التي يتم بيعها, والخوف من المستقبل هو الذي يكسو الوجوه, والزيارة للضريح لم تعد إحياء لذكرى الرجل فقط بل أصبحت مرثية لزمن كانت الكلمة فيه لهؤلاء البسطاء الشرفاء . 3 أنتحي جانبا وأغرق في صمتي, والسيدة مازالت أمام الضريح تقرأ في المصحف الشريف بهدوء. هل ضاع كل شئ حقا؟, ولم يعد أمامنا إلا زيارة الأضرحة وقراءة الفاتحة وتذكر ما مضى؟ كم تبدو الصورة لأول وهله بائسة ! ما أخذ بالقوة لن يعود منه إلا ما تسمح به مفاوضات تحكمها الإرادة الأمريكية والتفوق الإسرائيلي والعجز العربي . وما قاله عبد الناصر يوم عرضوا عليه بعد 67 إعادة سيناء نظير خروج مصر من الصراع أصبح نسيا منسيا, لم يعد أحد يذكر قولته : القدس قبل سيناء, والضفة قبل الجولان . إننا في عصر الحلول المنفردة التي يدفع فيها العرب الثمن غاليا, وهاهي القيادة الفلسطينية تفاوض على حل تضيع فيه حقوق اللاجئين في العودة, وتأخذ فيه إسرائيل نصف القدس العربية وتشارك في المسجد الأقصى, ويقال لنا إن هذا هو سلام الشجعان وغاية الممكن وقمة التنازلات ..الإسرائيلية !! نعم .. تبدو الصورة لأول وهلة بائسة أين ذهبت الأحلام الكبيرة ؟ كنا نأمل في الوحدة فأصبحت غاية المنى أن نحافظ على ما بأيدينا فلا تتفتت الكيانات القطرية إلى شظايا ولا تأكل الحروب الأهلية دولا قامت بالدم والدموع ! كنا نحلم باستعادة فلسطين فأصبح التفاوض على المسجد الأقصى! كنا نحلم باستعادة ثرواتنا لنبني الوطن الكبير كما نريد .. وها نحن أمام عالم عربي نصفه محاصر ونصفه مهدد .. تم تدمير العراق واستنزاف الجزائر وضاعت الصومال, وغرقت السودان في حرب أهلية لا يراد لها أن تنتهي, وها نحن بعد عشر سنوات من كارثة حرب الخليج أمام العراق يتعرض شعبه للجوع وخليج يتعرض للابتزاز الأمريكي, والمصالحة العربية مجرد المصالحة أصبحت حلما يتعذر الوصول إليه . كنا نحلم بالحرية والعدل, وها نحن مازلنا نبحث عن ديمقراطية حقيقية وعدل مفقود . ومازلنا نستنزف في معارك الجاهلية الأولى, ونطرح اسئلة بداية القرن, وتهددنا الحرب الأهلية بسبب رواية, ونتخاصم حول قيادة المرأة للسيارة. ونعود في مصر نفسها إلى مجتمع القلة التي تتمتع بكل شئ والكثرة التي تعاني من أجل أن تظل على قيد الحياة . وبينما الدولة تعاني من أجل فرص عمل لأكثر من نصف مليون يدخلون إلى سوق العمل سنويا . تضيع مئات الملايين من الدولارات في استيراد أحذية للقطط وطعام للكلاب ! كنا بعد حرب اكتوبر نحلم بأن نكون القوة السادسة في العالم . فأين نحن الآن, ومن المسئول . وكيف نحاسبه؟ أم أن فرصة الحساب نفسها قد فاتت وكل ما نأمله ألا يحاسبونا نحن لأننا ذات يوم حلمنا بالمستحيل ؟! -4- ولكن .. هل كانت الأحلام حقا مستحيلة ؟ بالقطع لم تكن أحلامنا هكذا, ولم تكن جريمتنا أن نحلم بالعدل والحرية, بكرامة الوطن وإنسانية المواطن .. كنا نعرف أن الطريق طويل وصعب, ولكننا كنا نؤمن أننا قادرون على تحقيق ما نحلم به, لأنه الحق الذي طال حرماننا منه . لم تكن أحلامنا مستحيلة, ولكنها كانت ممنوعة ! وهذا هو لب الصراع وقلب المعركة التي نخوضها . إن عبد الناصر نفسه لم يخترع جديدا, وإنما كانت قيمته الحقيقية أنه كان التجسيد الحي لآمال أمته في الحرية والعدل والتقدم, وأنه استوعب تاريخ أمته وفهم متغيرات العصر ووضع الوطن العربي كله في حالة الاستعداد لتحقيق الأحلام الكبيرة .. وهنا الخطر الذي لابد أن تقاومه القوى التي تعرف معنى قيام دولة عربية قوية متقدمة تسيطر على مقدراتها وتستحوذ على ثرواتها وتبني مستقبلها . هنا الخطر الذي قاوموه قبل ذلك بالاحتلال العسكري للأرض العربية كلها, وبزوغ بذور التخلف والانقسام, وبضرب كل محاولات النهوض العربية, وبإقامة إسرائيل في قلب الوطن العربي, وبالوقوف ضد أي محاولة للوحدة أو التقدم منذ أن حاول محمد علي وابراهيم باشا وحتي اليوم . لم تكن أحلامنا مستحيلة, ولكنها كانت ممنوعة لأنها خطر على من يحتلون الأرض ويستولون على الثروات ويتحكمون في مقدراتنا. ومن هنا كانت شراسة المعركة وستظل كذلك . ولا شك أنهم نجحوا في مسعاهم . ولاشك أيضا أننا ساعدناهم بأخطائنا وخطايانا- على أن ينجحوا . ولكن ذلك لا ينبغي أن يفقدنا الأمل على الاطلاق وإنما ينبغي أن يدفعنا لأن نواصل الحلم, ونواصل الإيمان بأنه ليس مستحيلا, ونواصل التعلم من تجربتنا التي ندفع ثمنها غاليا, فنعرف الخطأ وثمنه الباهظ, ونعرف العدو وقدراته الفائقة والأهم من ذلك كله أن نعرف أنفسنا وإمكانياتنا المهدرة, وأخطاءنا الفادحة, وقدرتنا على الانجاز حين نمتلك الحلم والوعي والإرادة الحرة والقيادة الحقيقية . ولنسأل أنفسنا في هذه اللحظات التي يسود فيها التخبط : هل توجد أمة واجهت ما واجهناه من حروب شرسة في كل الميادين .. وهل توجد أمة استطاعت الصمود في وجه كل هذه المعارك كما فعلنا حتى الآن .. رغم الجراح وآثار المعارك ؟ فلنعد فقط نصف قرن إلى الوراء .. هل استرحنا يوما من لهب المعارك؟ كانوا يقولون إنهم يحاربون عبد الناصر فقط, ومضى الرجل إلى جوار ربه, فماذا حدث؟ إزدادت حربهم شراسة ضد كل ما هو عربي وكأنهم ينتقمون لسنوات تحت قيادته حققنا فيها الكثير . أعطيناهم أوراق اللعبة التي كانت بأيدينا فماذا فعلوا بها وبنا ؟ أدرنا ظهورنا لأحلامنا المشروعة فإذا الحرب تتحول إلى الوجود العربي ذاته . ومع ذلك فمازال هناك صمود,ومازالت روح المقاومة تعيش, ومازالت الأمة قادرة على أن تفاجئ عدوها ونفسها, ومازال الاطفال قادرين على أن يفجروا الانتفاضة فيذهلوا العالم كله رغم تآمر الجميع لحصارهم, ومازالت الامهات ينجبن الشهداء, ومازال بركان الغضب العربي قادر على أن يثور في أي وقت . -5- في صمت تنهي السيدة بجواري قراءتها في المصحف الشريف وتضعه في حقيبتها, وفي هدوء تتسلل خارجة. أحس بالحاجة إلى الهواء أقرأ الفاتحة مرة أخرى وأخرج . على المكتب أجد خطابا رقيقا من الدكتورة هدى ابنة الزعيم التي ترأس وحدة لدراسات ثورة يوليو بمؤسسة الأهرام, ومع الخطاب إصدار جديد هو كتاب (عبد الناصر وتحرير المشرق العربي ) لواحد من المجاهدين في جيش عبد الناصر إنه الوزير فتحي الديب صاحب الأدوار التي لا تنسى في ثورة الجزائر, وفي تدعيم حركات التحرير العربي في المشرق والمغرب . أبدأ في تصفح الكتاب, تجتاحني مرة أخرى ذكريات السنوات الصعبة . تقفز الصور من ذاكرتي إلى صفحات الكتاب .. اعلام الاستقلال وهي ترتفع على الأرض العربية . مظاهرات الوحدة في دمشق .. سيارته فوق الأعناق . خطاب التنحي, معركة الصمود . رحيله المبكر. التاجر الصغير في عاصمة عربية يعرفني ويشعر بالأمان فيخرج صورة صغيرة للرجل يحتفظ بها بعيدا عن العيون .. رحلة الثأر منه ميتا وكيف خبأته الملايين في الصدور بعيدا عنهم . أجيال لم تره ومع ذلك تخرج وهي تهتف بإسمه . حجبوا صورته ومنعوا اسمه وراهنوا على النسيان, وأثبتوا أنهم لا يعرفون مصر وسرها الأعظم .. مصر تسكت وتصبر ولكنها لا تنسى أبدا ومن تضعه في القلب لا يخرج منه أبدا . بعد سنوات من الرحيل ومن الحرب القذرة وتزييف التاريخ وقلب الحقائق, مازال الرجل هو الغائب الحاضر, ومازال أعداؤه يقاتلون ذكراه, ومازالت الملايين من المواطنين البسطاء الشرفاء يضعونه في القلب, ومازالت الأيام تثبت أن أحلامه وأحلامنا كانت مشروعة, وأن جهاده لم يذهب عبثا, وأن برنامجه للنهوض مازال صالحا, وأن أخطاءه لا ينبغي أن تتكرر, وأن راياته لا ينبغي أن تسقط.. تقفز إلى صفحات الكتاب أمامي سطور من قصيدة قديمة في رثاء الرجل, قالها شاعر كان كبيرا قبل أن يدركه طوفان الردة .. ووجدتني استعيد ما قاله : إن رحلة حبنا ستكون حربا لا يقر لها قرار. وقد كانت حربا مريرة .. ومازالت. نائب رئيس تحرير جريدة (أخبار اليوم) المصرية