ماذا يريد شباب اليوم؟ سؤال قفز إلى ذهني, واستوقفني كثيراً, طرحته على نفسي همساً, طرحته على أصدقائي جهراً, سألت علماء نفس, حاورت رجال دين, قرأت في كتب المبدعين, ناقشت بعض الشباب, حاورت أولياء الأمور... وجدت الإجابة مختلفة, طرح البعض وجهات نظر متباينة. شباب اليوم لا يعرف ما يريد! رغم أن كل الأبواب مُشرّعة أمامه, وكل النوافذ مفتوحة, إلا أنه تائه, حائر, قلق. فوسائل الترفيه رغم كثرتها لم ترو عطشه, وسائل التقنية الحديثة رغم تعددها لم ترض طموحه, ووسائل الانتقال رغم اختلاف ضروبها لم تحقق رغباته... أولياء الأمور يغدقون على الأبناء من الأموال الكثير... وينفذون من الطلبات ما تعجز عن تدبيره مواردهم المحدودة ولكن ذلك لا يكفي. القضية حقاً شائكة ومعقدة, ويقفز السؤال تلو السؤال ماذا يريد الأبناء؟ ماذا يريد شباب اليوم؟ ولماذا هو قلق ومتمرد وسلوكياته غريبة, وتصرفاته مريبة؟ وحتى وسائل الاتصال الحديثة مثل الهاتف النقّال الذي صُنع خصيصاً للمكالمات المهمة أصبح وسيلة لإزعاج الآخرين وإقلاق راحة الأسر, والمعاكسات الغرامية, وشبكة الانترنت التي اخترعت من أجل الدخول إلى مواقع تمد بالعلم والمعلومة باتت وسيلة للحصول على معلومات غير مفيدة وتنمي روح العدوانية والإسهام في إضاعة الوقت وتغييب العقل, ووسائل المواصلات الحديثة لم تعد وسيلة انتقال, بل أداة قتل وهلاك للنفس والآخرين. كثرت الانحرافات وتعددت أساليب الإجرام, لم يعد لدى البعض من الشباب كما كان في السابق, أي وقت للعلم والاستزادة من بطون الكتب في الفكر والأدب, وحضور الندوات والمحاضرات, والبحث عن قدوة حسنة. وبكل تأكيد, إن غياب القدوة الحسنة, هو المسألة شديدة الحساسية, عميقة التعقيد التي يعاني منها الكثير من الشباب, كما أن غياب الهدف الواضح, والرؤية الثاقبة, أيضاً من العوامل التي يعاني منها شباب اليوم. لذا ليس غريباً أن نجد عشرات الشباب يتسكعون في الطرقات والمراكز التجارية بلا هدف واضح أو رؤية محددة, نجد الطلاب في المدارس يشاكسون ويعاكسون ولا يعطون اهتماماً للتحصيل العلمي, فرؤيتهم للمستقبل ضبابية, قاتمة حالكة السواد, لذا فظاهرة التسرب من المدرسة أصبحت عادية, والتطاول على المدرس مسألة يومية, واحترام الكبير وتوقير الصغير غير واردة, كما أن عدم الاهتمام بنصائح الآباء أصبح قضية تحتاج إلى بحث. ماذا يريد شباب اليوم الذي يجد كل ما يريد ويطلب؟ ما الذي ينقصه حتى يتطور ويتفوق؟ إنها قضية كل أسرة وكل مجتمع من مجتمعاتنا العربية, فشبابنا حريص كل الحرص على تقليد رصفائه في الغرب ولكن في كل ما هو سيىء, يبحث دائماً عن السلبيات ويترك الإيجابيات, لا يريد أن يفكر في مستقبله بعمق, وفي حياته بروية, لا يسعى للنهل من ينبوع آبائه وأجداده الصافي بكل ما فيه من كفاح وإخلاص وارتباط بالأرض والوطن. حقاً إنها مأساة جيل, وإذا ما سلمنا جدلاً أن الشباب هم نصف الحاضر وكل المستقبل, فأي حاضر نرى, وأي مستقبل ننتظر؟ آخر نقطة وقف اعرابي أغبر, أشعث أمام حاكم مستبد فقال له: كيف تريدني أن أكون من بطانتك... وهم يأكلون خيرك ويقفون مع غيرك, نعم... قلوبهم معك, لكن سيوفهم عليك!