يبدو ان الحرب ستظل مستعرة بين ما نريد وما لا نريد, ففي الوقت الذي يواصل فيه رجال الدعاية والاعلان العمل نحو ابتكار أفكار جديدة واستنباط رؤى حديثة لزيادة نسبة المدخول الاعلاني, والتأثير بشكل واضح وصريح على ذائقة المستهلك, يقف آخرون ضد سطوة المادة الاعلانية وأفكارها الجديدة والتي تشكل في تراكمها اليومي ــ كما يشير هؤلاء ــ حالة دائمة لا فكاك منها وهذا ما يمثل قيدا أو أسرا عندهم للحرية التي هي حق إنساني. ورغم ما تثيره المواد الاعلانية من استنكار وردود فعل سلبية أحيانا, يظل لها عشاق تتسمر أعينهم على شاشات التلفزيونات وتكبر آذانهم كثيرا للمؤثرات التي ترافق أكثر الاعلانات وأشهرها, فمع كل دقة طبل أو موسيقى ساحرة, ومع التفاتة أي جسم وميلانه وتهاديه ترقص تلك الوجوه المأخوذة بهذا الفن فرحا ولهفة لرؤية المزيد من الاعلانات المصنوعة بتقنية ساحرة. ولكن هل هذا الفن يروق للكل؟ في استطلاع تلفزيوني أخير جرى في ألمانيا قررت إحدى الشركات المتخصصة في تقنية العروض الاستجابة لرغبات المشاهدين والذي أثبت ان 70% منهم يشعرون بالضجر من الاعلانات التلفزيونية, حيث قامت بانتاج جهاز اضافي صغير يخلصهم من هذه الاعلانات. ويرى عشاق الاعلانات ان هؤلاء سيضطرون إلى العودة مجبرين إلى هذا العالم المثير, إذ كيف يتصورون ان يأكلوا خبزا بلا ملح.. ان شيئا في دورة حياتهم اليومية سيكون ناقصا. إلا ان الشركة التي ستصبح مكروهة من شركات ووكالات الدعاية والاعلان العاملة في ألمانيا ستبعث الارتياح بجهازها الصغير في قلوب 31 مليون ألماني ينتظرون طرح الجهاز الذي أطلق عليه اسم (حورية التلفزيون), فهؤلاء يزداد غضبهم وتثير ثائرتهم كلما تسبب الاعلان التلفزيوني في قطع البرامج والافلام المحببة لهم والتي يتابعونها بكل شغف وحرص. ولا ندري ما هي الخطوة التي ستتخذها شركات ووكالات الاعلان من جانبها لفك هذا الحظر على موادها. والسؤال.. هل يقف بارونات الاعلان مكتوفي الأيدي أمام هذه الخطوة؟ وهل سينتهي الاعلان أو تتضاءل نسبه ويخسر أمام ذائقة المشاهد؟ يبدو ان صناع هذا الفن القديم الجديد الذي عرفه الإنسان منذ آلاف السنين لن يقفوا مكتوفي الأيدي خاصة وان هذه الصناعة تزخر بتقنيات عالية ومثيرة تحمل آفاقا لكل ما هو جديد بعد أن أصبحت كالماء والهواء لإنسان اليوم.. ولهذا وبين يوم وآخر نسمع ونرى تقنيات جديدة وأفكارا مثيرة في هذا المجال. ويؤكد المتخصصون ان السنوات المقبلة ستحمل قفزات هائلة في مجال الاعلان المقروء, إذ ستختفي الكثير من الملامح التقليدية التي نراها اليوم في تلك الاعلانات, بعد أن نجح هؤلاء في نشر أول اعلان صحفي ناطق في العالم وقرروا تعميمه. وهذا الاعلان الذي كان قيد التجارب يعمل بتكنولوجيا الصوت الاصطناعي, فحالما تفتح صفحة المجلة يرتفع مفتاح حساس للضغط مغلقا دائرة كهربائية مكونة من ثلاث خلايا كهربائية بحجم الزر العادي وأداة للصوت الاصطناعي مكونة من مضخم وسماعة ذات جهد كهربائي قطرها 2.5سم وبعد فترة قصيرة ينطلق صوت بكلمات دعاية تستغرق 15 ثانية. والنظام الجديد كما يشير هؤلاء المتخصصون عبارة عن تطبيق رخيص التكلفة لدائرة الصوت الاصطناعي التي طورت منذ سنوات في الألعاب التعليمية وبطاقات الأعياد الموسيقية, ومع ان الصوت يبدو أقرب إلى النعومة وبه رنة رفيعة الا ان الكلمات واضحة ومفهومة. ويرى المعنيون بشئون الدعاية والاعلان ان هذه القفزة الهائلة في تكنولوجيا الاعلانات ستفتح الباب واسعا للاجتهاد وتطويع هذا الفن المثير لخدمة الاقتصاد خاصة وان مثل هذا الاعلان بما يحتويه من مخزن للذاكرة ودائرة اصطناعية وخلايا كهربائية وسماعة ومفتاح لا يكلف أكثر من أربعة دولارات أمريكية. ومن جديد نعود لأولئك المشاهدين الذين ضجروا من الاعلانات التجارية وتحايلوا عليها بتركيب جهاز (حورية التلفزيون) الذي يقاطع أوتوماتيكيا القناة التي تقطع برامجها لعرض الدعايات فيحولهم إلى أخرى لا تعرض الاعلانات في تلك اللحظة, نعود فنسأل كيف سيتعامل هؤلاء مع الصحيفة بعد أن نطقت اعلاناتها الخرساء فجأة وأصبحت كالطفل الذي يتعلم الكلام. عموما, يظل المستقبل للصحافة المقروءة ورديا, فأمام هذا التزاحم الفضائي يحتاج الإنسان إلى محطات تأمل لن يجدها إلا في القراءة المتأنية.