( عفا الله عما سلف ).. كم تكررت هذه الجملة كثيرا عبر السنوات الماضية, وتحديدا منذ الزيارة التاريخية للرئيس الراحل محمد أنور السادات.. كانت هذه الجملة هي السلاح الوحيد لدى المفاوض العربي, وتصدرت الخطاب السياسي العربي, وصارت خلاصة الموقف العربي مؤخرا. وبالطبع هناك أسباب تاريخية واقتصادية ونفسية وراء هذا الموقف المبالغ في نبله وتجرده, فليس أصعب على النفس من إدارة الظهر لكل جرائم العدو, ثم إدارة الخد الأيسر فالأيمن لصفعات متتالية, والتعقيب في كل مرة بـ ( عفا الله عما سلف ).. ولاشك أن ذلك نصر أخلاقي لا يمكن أن ينازعنا فيه أحد, فلقد انتصرنا, بل هزمناها شر هزيمة, أصبحت نفوسا مهزومة, ولأول مرة في تاريخ الجنس البشري تتحول النفس الامارة بالسوء, إلى نفس بريئة طاهرة تأمر بالصفح والتسامح, وتحض على فضيلة النسيان ومآثر اغماض العين عما يسوؤها. لقد هزمتنا إسرائيل في ميادين القتال أكثر من مرة, دمرت بيوتنا, وشردت أهلنا, يتمت أولادنا, ذبحت شيوخنا ونساءنا, حرمتنا من النوم والراحة, أذلت كبرياءنا.. ولكن.. انتصرنا علىها نصرا مؤزرا بأخلاقنا العالية وتسامحنا الذي لا ينفذ ولن ينفذ بإذن الله حتى آخر طفل عربي.. ولذلك فإننا لا نتألم بما يفعله العدو الذي صار خصما, ثم تحول إلى جار, ثم انتقل إلى موقع ابن العم.. ومن يدري فربما لدى البعض هو أقرب من حبل الوريد.. لا نتألم ولا نشعر بأي غضاضة إزاء تصرفاته الطائشة التي لا يبررها سوى سوء الأخلاق, فذلك العدو (الخصم) الجار, ابن العم.. لم يلتقط بعد حكمتنا الأزلية بأنه (عفا الله عما سلف). ولا يظن أحد أن ذلك الموقف يمليه ضعف أو تخاذل, حاشا لله, فنحن أهل السيف والهوجاء وثعالب الصحراء, نملأ السهل و الجبل ملايينا بلا حصر, ولدينا من المال والبترول مالم يتجمع لأمة في تاريخها دون أن نبذل فيه أي مجهود يذكر, ونحن إذا شئنا ذبحناهم بلا رحمة, ولكننا أكثر سموا من ذلك, نترفع عن تلك الصغائر, ونتحمل في سبيل مبادئنا تلك الأمور التافهة التي يقوم بها أبناء إسرائيل, إذ كيف نتخلى عن رحابة صدرنا وصبرنا المشهود فقط لأن هؤلاء الطائشين يقتلون الأطفال أو يدمرون المنازل, إن ذلك لايزيد عن حماقة شباب, وإسرائيل كما يعلم الجميع لايزيد عمرها عن بضع وخمسين عاما وهو في تاريخ الشعوب يعتبر عمر طفولة ونزق وطيش, ويجب أن نتحملها, ونربيها بصبر على الأخلاق الحميدة, وليس من سبيل سوى بأن نضرب لها المثل والقدوة ونحقنها بجرعات من دوائنا المعروف ( عفا الله عما سلف ). ولكل من صرخ أو تألم أمام مشهد مقتل الطفل الفلسطيني ( محمد الدرة ) نتساءل : لماذا وضعه أبوه أولا في هذا الموقف التعيس ؟.. بل لماذا خرج به من المنزل أصلا ؟.. أليست الحكمة الخالدة أنه في زمن الفتنة يجب أن يتوارى الناس في بيوتهم ؟.. وقد يقول قائل ان الأب إنما أراد أن يخرج بطفله إلى نزهه بريئة كي يتفرج على المذابح التي يرتكبها جنود إسرائيل, وكي يعلمه أن يتسامح ويعفو عما سلف, وتلك الحجة رغم قوتها لا تبرر خروجه في هذا اليوم القمطرير, فلربما تهور ذلك الطفل وحمل حجراً أو إزداد تهورا والقاه على جنود الاحتلال, أمام عدسات تلفزيونات العالم, بما يكذب ادعاءنا بالتسامح والغفران, بل أن هناك دلائل مؤكدة بأن هذا الطفل لو عاش لكان قد ألقى حجرا, لأن تلك هو موضة أطفال فلسطين هذه الأيام.. وأيا كان الأمر, فليس هناك مبرر للحزن أو الغضب على موت هذا الطفل, فلقد استراح مبكرا, ولن يكون مضطرا عندما يكبر أن يروض نفسه على الغفران والنسيان, وهو أفضل من غيره لأنه لم يشعر بالذل والهوان سوى لفترة قصيرة من حياته, أما مماته فسوف يطويه النسيان مثلما طوى النسيان كفر قاسم ودير ياسين ومدرسة بحر البقر ومصنع أبو زعبل ومأساة ذبح الجنود الأسرى.. الخ الخ, أنت محظوظ بالفعل يا محمد. ولا تتألم على حزننا, لأننا سرعان ما ننسى ونتأقلم, سرعان ما سنرتدي ثوب الحكمة, سرعان ما سيلهج لساننا في وقار : ( عفا الله عما سلف ). نحن أهل العم كوبنهاجن المبشرون بالسلام الموعود, والحق نقول لكم فاسمعوا وعوا : لقد نجحنا في اختراق المجتمع الإسرائيلي, وتدريجيا بدأوا يتعلمون النسيان مثلنا, فعلى سبيل المثال أصبحوا لا يتذكرون أن لهم جيرانا بالمرة, أصبحوا لا يروننا, ثم أنهم مثلنا الآن يؤمنون بأنه( عفا الله عما سلف ), فلقد تسامحوا عن كل ما فعلوه فينا, ولذلك يكررونه حتى لا ننسى, لقد أصبح إيمانهم بالسلام أشد من إيماننا, والدليل على ذلك أنهم يمنحوننا (سلام القبر ) الذي ليس بعده سلام ولا كلام.. نحن أهل العم كوبنهاجن, والحق نقول لكم, فاسمعوا وعوا : ليس في الامكان بإبداع مما كان, وأوراق اللعب ليست معنا, ولابد أن نفهم أن الميسر حرام ولذلك لا ينبغي علينا أن نحمل أية ورقة من أوراق اللعب, ثم لماذا نزهق أنفسنا في اللعب إذ ا كان الأمريكيون ينوبون عنا ويسلموننا في نهاية السهرة نصيبنا من الربح ؟ وإذا كانت هناك خسائر لا قدر الله فإننا بأريحية الكرم العربية لا نقبل بأن يتحملها أحد غيرنا.. صح يا رجال.. الحق نقول لكم, انه ليس ألذ ولا أطيب من أطعمة ومشروبات المؤتمرات, ولا ما هو أشهى من رخاء التنظيمات, وليس هناك ما هو أنعم من ملمس الدولارات أو الشيكات.. فكونوا طبيعيين ووقعوا ومن وقع وقع, توقيع فتطبيع, وتطبيع فتوقيع, وتلفيق وترفيع, ها نحن ها عولام هذي, معاريف, دافار, جيروزاليم بوست.. شالوم عليكم ورحمته وبركاته. الحق نقول لكم : نحن نأكل على كل الموائد, حيث ان نفوسنا حلوة, فنحن اشتراكيون حين تكون تلك هي روح العصر, ورأسماليون إذا تغيرت الظروف, والحقيقية, فنحن لا نفضل إتخاذ مواقف مبدئية, فذلك جمود وانغلاق, وإنما نحن مفتوحون على الآخر, من تزوج أمنا صار أبانا, ونرفض بشدة ذلك التمسك الغبي بالأرض والشرف والعرض, فالمسائل كما أثبتها عمنا إينشتاين نسبية جدا, لماذا يموت إنسان من أجل أرض؟ انه بعد الموت لن يكون مالكا لشيء, فلماذا يدفع ثمنا لبضاعة لن يتسلمها ؟ ثم ما هو تعريف الشرف ؟ ما هو سعره في البورصة؟, وهل يمكن أن تقترض من بنك بضمان الشرف ؟ كل هذه المواريث الشرقية المختلفة غير الواقعية هي سر مصيبتنا, ونصيحتنا لكم دام فضلكم هي أن تعيشوا العصر, وهذا هو العصر الإسرائيلي. نعترف بلا خجل أننا اختبأنا خلال هذه الفترة, وشعرنا بالحزن الشديد, فرغم كل جهودنا, ورغم ظهورنا المتواصل في كل محطات التلفزيون والصحف, وتبشيرنا بنظرية ( عفا الله عما سلف), فإنه يبدو للأسف الشديد أن أطفال فلسطين لا يشاهدون التليفزيون ولا يقرأون الصحف. لذلك اختبأنا خوفا من أن يصيبنا حجر, ولكننا سنعمل لبعض الوقت سرا مع أصدقائنا الإسرائيليين بعد أن ينتهوا من مهمتهم في قتل أطفال فلسطين, سنقول لهم فضحتونا.. كنا نظن أنكم تقتلون سرا وغدرا, ولكنكم لم تتركوا لنا حجة نتحجج بها,وبعد كل قصائد المديح التي كتبناها فيكم, وبعد كل العشق والغرام, وبعد كل جهدنا المخلص في تسويق بضاعتكم, أصبحنا بسبب تصرفاتكم عرضه لقذف الأحجار مثلكم.. فنحن والحق نقول لكم شركاء معكم في قتل محمد الدرة. مثلما ساهمنا باخلاص في نشر الأيدز السياسي لتدمير جهاز المناعة.. ماذا نحن فاعلون وقد انكشفنا معكم ؟.. على أية حال لا تحملوا هما, ناموا آمنين في تل أبيب وحيفا و مستوطناتكم الغالية, سنقوم بدورنا المرسوم بكل أمانة, سنسارع فور هدوء المسائل برفع أعلام ( عفا الله عما سلف ), سنهتف فوق كل المنابر (إن جنحوا للسلم فاجنح لها ), سنحكي للجموع عن الواقع وهمومه, عن أهمية الموبايل والهامبورجر, عن فضيلة الواقعية, عن ديننا الجديد ورسالته في التطبيع.. وبمناسبة عيد كيبور نقول لكم : ها شاناه طوف.