هل تذكرون سقوط نظام الجنرال موبوتو سيسيكو في الكونغو في عام 1997 وهروبه ليموت على الفراش خارج الوطن؟ ذلك كان المشهد قبل الاخير لنص سيناريو من تأليف واخراج رجال وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. اما المشهد الختامي، وفقا للنص، فقد كان يقضي بتنصيب مغامر ثوري باسم رولان كابيلا ليتولى السلطة كعميل للولايات المتحدة تتكون قائمة اولوياته الموضوعة امريكيا من بند واحد: فتح ابواب الكونغو لأصحاب رؤوس الأموال الامريكيين لاحتكار صناعات تعدين الكوبالت واليورانيوم والنحاس والماس والذهب.. بعد طرد نظرائهم الفرنسيين والبلجيك. ومشكلة كابيلا التي انتهت الى مأساة دموية هي انه خرج على النص.. وبالتالي اغضب مؤلف السيناريو ومخرجه بتوجيهه مسار السيناريو في وجهة اخرى. وقصة الكونغو هي في الحقيقة قصة افريقيا السوداء وسيناريوهات القوى الكبرى التي تتضمن عناصر رئيسية يختلط فيها نهب الثروات مع العمالة مع لعبة الحكم. وكون ان لقصة الكونغو اثارة خاصة من بين الدول الافريقية الاخرى فلأن الكونغو هي الاعظم ثروة والاكبر مساحة. (رقعة ارضها الغنية تزيد على مساحة غرب اوروبا مجتمعة). ومن وجه آخر فإن قصة الكونغو هي ايضا قصة الاستعمار الامريكي الحديث للقارة. ومن هنا كان القرار الامريكي بالعمل على الاطاحة بنظام الجنرال موبوتو العميل الاوروبي لابداله بعميل امريكي خالص. وعلى هذا الاساس كان السيناريو الامريكي بشأن التغيير في الكونغو قائما على حلقات مترابطة: زعيم كونغولي في الواجهة.. من ورائه قوة عسكرية قوامها جنود كونغوليون متمردون وتقودها شريحة عليا من ضباط يوغنديين وروانديين. ويصبح السيناريو في صورته الكاملة كالآتي: القوة العسكرية تأتمر بأوامر ضباط غير كونغوليين.. والضباط يتصرفون ميدانيا على اساس تعليمات فريق مرافق من (مستشاري) وكالة الاستخبارات الامريكية.. وعلى المستوى الاعلى يأتمر كل من رئيس يوغندا يوري موسيفيني ورئيس رواندا بول كاجامي بتعليمات الممثل الاكبر للوكالة الامريكية في السفارة الامريكية في العاصمتين كمبالا وكيجالي. اما مهمة العميل الكونغولي فتنحصر في الحديث المكرر عن (الزحف المؤزر) في مؤتمرات صحفية ومقابلات مع (سي. ان. ان) و(بي. بي. سي). وهكذا دخلت القوة العسكرية اليوغندية الرواندية العاصمة الكونغولية كنشاسا دخول الفاتحين، وعلى الفور جرى تنصيب الزعيم الكونغولي رولان كابيلا رئيسا. هنا حدث الخروج على النص. كان لكابيلا اجندته الشخصية الخفية. وفي غضون بضعة شهور كان قد اعاد ترتيب صفوف الجيش اليوغندي ونصب من رجال قبيلته وذوي قرباه قادة للوحدات.. ومن ثم طرد الجيش الغازي شرقا وشمالا الى الحدود الرواندية واليوغندية. ومنذ عام 1998 وحتى اليوم تحاول الولايات المتحدة عبثا اعادة السيناريو الى مساره ماضية في تمويل المغامرة العسكرية ضد كونغو كابيلا عن طريق النظامين العميلين في يوغندا ورواندا. لكن في هذه الاثناء القت القوة الكبرى الاخرى - فرنسا - بكل ثقلها في اللعبة مساندة نظام كابيلا. وفي هذه الاتجاه نجحت في استقطاب تأييد ثلاث دول افريقية مجاورة: انجولا وناميبيا وزيمبابوي. ولن تنتهي القصة.. لانها قصة صراعات رأس المال وتناقضات التنافس بين القوى الرأسمالية الغربية. وطالما ظل هناك امداد لا ينقطع من شخصيات النخب الافريقية الذين يتوافر لديهم استعداد كامل لعرض انفسهم للايجار كعملاء بدوافع الطموح الشخصي.. وطالما ظلت الشعوب الافريقية عاجزة عن انجاب ابطال وطنيين فإن مأساة افريقيا سوف تتوالى فصولها بلا نهاية بتوالي السيناريوهات الغربية.