عادت بيروت تختال بقبعة البحر الزرقاء التي تضعها على رأسها.. راحت تعبر بصوت مرتفع عن ثقتها في نفسها.. نفضت غبار الحرب اللئيمة التي جعلتها لسنوات طويلة مدينة كئيبة.. استلمت كل رسائل العشق القديمة الضائعة.. بدأت تبرق من جديد.. وترقص من جديد.. عادت اليها العصافير التي ماتت من الغربة والرهبة.. راحت تجفف جسر الدموع الذي بنته بين السماء والأرض.. لم تعد تجبر على الشهادة الزور ضد الحب.. لم تعد تؤمن بسياسة (الدكاكين) السياسية.. والصحفية.. وسيرك المليشيات العسكرية.. أصبحت مرة أخرى (ست الدنيا).. وأقسمت على أن تضع هذا اللقب في عينيها.. وتطبق عليه جفونها ورموشها. ولقب (ست الدنيا) هو (وسام من الشعر) منحه نزار قباني للمدينة التي كانت حانية عليه مزهوة به.. ونشرت اللقب حنجرة ماجدة الرومي بصوتها الذي يقرب المسافة بين الموسيقى والدير.. وهو غير لقب (أم الدنيا) الذي منحه التاريخ لمصر ولعاصمتها العامرة.. القاهرة.. لكن القاهرة تعاني من ثقل الزمن على لحمها.. ومن ضغوط البشر على مراوحها.. وهو ما أصابها (بالربو) وضيق التنفس وسرعة الغضب فراحت تبحث عن مسكنات تهدئ بها حالتها حتى تقدر على الاحتمال. على أن أشد ما يؤلم وأنت تسافر من القاهرة أو عائد اليها هو مطارها (الدولي).. فهو مطار متواضع.. لا يليق بمصر.. ولا بسمعتها السياسية والسياحية.. يعاني من فوضى الواسطة والألقاب الى درجة لا يمكن تصديقها.. فأنت تستطيع أن تعرف شخصية المسافرين والقادمين ووظائفهم وحجم ثرواتهم ونوع سياراتهم من عدد الذين يحيطون بهم ومن حجم (النفخة) الكاذبة التي يرسمونها وهم يتصرفون كالديوك المنفوشة.. وهم لا يقدرون على هذه النفخة في أي مطار آخر.. إن المبنى والبشر والادارة والخدمات في فاترينة (القاهرة) وبوابة الدخول اليها والخروج منها في حاجة ملحة وعاجلة الى (ثورة) من الذوق والتواضع واللباقة والنظافة. لقد ساهم مطار بيروت الجديد في تغيير صورتها.. كان مثل سطح من المغناطيس الذي جذب بصورة إجبارية السياح الى بيروت وكأنهم برادة حديد.. بل إن بيروت شهدت في اجازة الأعياد ورأس السنة مظاهرات حاشدة من المصريين الذين قضوا أياما هناك ودفعوا في ثلاثة أيام ما يدفعونه في يوم واحد في القاهرة أو الغردقة أو شرم الشيخ.. فصناعة السياحة في مصر يدعمها المصريون.. ولكنهم لا يجدون من يحمد لهم على ذلك أو يشكرهم.. وقد زهقوا من إنكار الجميل.. وفي تلك اللحظة كانت بيروت متأنقة.. جاهزة.. مستعدة لاستقبالهم.. والسهر على خدمتهم. وليس من الصعب أن تعرف سر جاذبية بيروت السياحية.. فالبشر قادرون على مد جسور الود والتفاهم بينك وبينهم منذ أن تهبط مطارهم.. ولن يتأففوا منك أو يضيقون بك ولو كنت الزبون الوحيد في المطعم أو الفندق أو المقهى.. ولو أجبرتهم على السهر بعد مواعيدهم.. إنها القاعدة الذهبية التي نسيها المصريون.. الزبون على حق دائما.. لو (طفش) الزبون أصبح المكان خرابا. وسر البشر في لبنان هو وجودهم في أحضان البحر.. فالبحر يغري بالسفر والمغامرة والعناد وتحدي المجهول واستكشاف الحياة واقتحام الغرباء وسرعة التفاهم معهم.. لقد وصل اللبنانيون الى أدغال افريقيا.. وأحراش أمريكا اللاتينية.. بحثا عن الرزق.. والثروة.. فكونوا جاليات قوية وعريقة في المهجر.. لكنهم لم ينسوا الوطن الأم.. فكانت أموالهم وأحلامهم تحول إليه في النهاية. ورغم كل ما جرى من أهوال في الحرب الأهلية اللبنانية فإن اللبنانيين لم يفقدوا قدرتهم على اختراق الحياة.. لقد كانت الأطراف المتقاتلة والمتشابكة في الحرب الأهلية تتفق على هدنة في الأعياد ورأس السنة يتوقف فيها الرصاص ليعيشوا الحياة حتى النخاع ثم ليعودوا بعد ذلك أكثر شراسة في تحدي الخطر واستفزازه.. إنه مفتاح الشخصية اللبنانية.. المتعة والمغامرة معا.. إن ذلك منحهم فرصة النفس الطويل.. فقد حاربوا بعضهم البعض أكثر من 10 سنوات.. ثم قاوموا الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب أكثر من 15 سنة.. ثم عادوا لاعادة صياغة بلادهم في جمل رشيقة ساحرة وكأن شيئا لم يكن. وينتمي غالبية اللبنانيين الى شرائح الطبقة الوسطى.. ينتمون الى الطبقة الحيوية التي لا تتوقف عن الحركة الصاعدة الى أعلى.. ويميلون الى الابتعاد عن الوظائف الحكومية المستقرة والخانقة.. و لا يجدون في الحياة مطبات أو عقبات تمنعهم من النمو.. ولا يخجلون من أي عمل.. لأنهم لا يكتفون بالنظر تحت أقدامهم.. ويمدون أبصارهم الى ما وراء الأيام المقبلة.. فصاحب فاترينة (الشاورمة) يفكر ويتصرف على أنه صاحب سلسلة المطاعم الكبرى في المستقبل.. وصاحب المقهى الصغير في شارع جانبي يذكر نفسه كل يوم بحلم امتلاك فندق خمس نجوم على كورنيش بيروت.. إنهم لاينظرون تحت أقدامهم.. ولا يقنعون بما وصلوا اليه.. وهو ما جعلهم أشطر خلق الله في السياحة والتجارة. ولا تهدد بيروت السياحة المصرية فقط وإنما تهدد الاستثمار الأجنبي أيضا.. فقد بدأت في مغازلة الشركات الدولية الكبرى في العالم لتنقل مراكزها الاقليمية من القاهرة اليها.. وهي مستعدة أن تعفيها من الجمارك والضرائب والرسوم.. ومستعدة أن تقدم اليها المقار الادارية بأجر رمزي.. ليرة واحدة في السنة.. إن القاهرة لم تستفد من السنوات الطويلة الماضية التي كانت فيها بيروت مدينة أشباح.. وقد جاء السياح والمستثمرون اليها في هذه السنوات.. لكنها لم تستطع أن تحافظ عليهم.. ووضعتهم في خلاط لا يتوقف اسمه البيروقراطية.. وما لم ننتبه فإن الواقعة.. واقعة. وتذهلك بيروت وهي تنفض عن نفسها الخراب والدمار الذي ورثتهما عن سنوات الحرب الأهلية.. وعمليات الغزو الاسرائيلية.. لقد امتدت الطرق السريعة العريضة كالشرايين القوية بين المناطق والأحياء.. وبدا المطار الجديد وكأنه ميناء جوي للبنان ولمن حولها.,. ولم تهدم الفنادق الشهيرة وإنما أعيد ترميمها لتعود كما كانت هي وكل المباني التي ترسم ملامح بيروت.. وتحافظ على طابعها المميز.. المساجد والكنائس والأسواق والبيوت القديمة.. لقد رممت هذه الملامح ودبت فيها الحياة وأجريت لها عمليات تجميل بارعة بعد أن كانت أطلالا مشوهة عليها بصمات المدافع الثقيلة والخفيفة.. ولو كنت قد رأيتها مثلي قبل ترميمها لتصورت أن مصيرها الوحيد هو الهدم والإزالة.. ولو كنت مثل الأثرياء الجدد أو المخربين الجدد في مصر لفكرت في كيفية هدمها وبناء ناطحات سحاب على أنقاضها لتضيق القاهرة في السماء بعد أن ضاقت على الأرض.. لكن.. ذلك لم يحدث في بيروت.. ما حدث هو إعادة الترميم والتجديد وكأن المباني لوحات في معرض فني مفتوح.. إن بيروت الآن طبعة جديدة من مدينة عريقة.. ولو كانت بيروت تجري بسرعة مذهلة على الطرق التي تمدها.. والمباني التي ترممها.. والأسواق التي تعيد الحيوية اليها فإنها لا تزال خائفة ومرتعشة وهي تتعامل مع السياسة والثقافة والصحافة. إن تصرفات السياسيين يسيطر عليها الحذر حتى لا تنفلت الأعصاب مرة أخرى.. وهم على حق.. فالساحة السياسية اللبنانية لا تزال شديدة التعقيد والغموض.. ورغم أن أطرافها الآن يكتفون بلعبة (البنج بونج) فإنهم على استعداد لأن يلعبوا المصارعة والجودو والكاراتيه.. إن ضيق الأرض مع كثرة اللاعبين يحول أي لعبة سياسية رقيقة الى لعبة خشنة.. وفي الساحة اللبنانية تلعب الطائفية والقبلية والتهديدات الاسرائيلية والأوراق السورية والدعاوى المناهضة للقومية لكنه.. لعب بحذر شديد.. وتحت الجلد.. هادئ.. متقطع.. تضغط عليه التجارب القريبة والبعيدة. وتحاول الصحافة اللبنانية أن تخرج جاهدة من جمودها الذي وجدت نفسها فيه بعد أن سكنت الحرب الأهلية وأصبحت جثة هامدة.. إنها تخشى أن تتهم بنفس التهمة القديمة وهي أنها هي التي كانت السبب في كل ما جرى وما كان.. وهي تهمة ستلاحق الصحافة في كل مكان.. فالصحافة هي الشماعة الجاهزة التي تعلق عليها النظم والحكومات كل الأخطاء والخطايا.. فهي التي أشعلت الحرب.. وهي التي هربت الاستثمار.. وهي التي حرضت على الطائفية.. هي الشيطان الأكبر الذي يفسد كل الأشياء والأشخاص.. وما لم تتحرر الصحافة اللبنانية من هذه الهواجس فإنها لن تسترد عرشها وتاجها وقراءها. وأكثر الفنون ازدهاراً في لبنان هو الطرب والغناء.. إن لبنان ينتج مطربا كل ساعة.. وقد تحول المطربون الى نجوم يكسبون الملايين في ساعات قليلة. كما أن حياتهم الخاصة ومعاركهم الفنية هي الكنز الذي تعيش عليه الصحافة الفنية.. إن مجتمع بيروت يتحدث عن القضية التي رفعها راغب علامة على إحدى القنوات الفضائية لأنها قدمته بصورة لم ترضيه.. والمعركة القضائية لا تزال محتدمة بين نوال الزغبي وديانا حداد.. ونجوى كرم عادت الى حالة السكينة والاستقرار بعد أن تصالحت مع أشقائها الذين رفضوا زواجها من وكيل أعمالها المتزوج والذي يصغرها بعشر سنوات وتختلف معه في الديانة.. وماجدة الرومي تعيد التفكير في مشروعها الغنائي المشترك مع كاظم الساهر.. لكنها تنتظر ورثة نزار قباني لتشتري منهم الكلمات.. إن هذه القضايا هي قضايا تحظى با هتمام لا يمكن تصوره في بيروت.. فالطرب على ما يبدو هو الفن الوحيد الذي يعيد البهجة السريعة لشعب لسعته الحرب وفرضت عليه الحزن والاكتئاب. لكنك لا تجد هذه الحيوية في الكتب الجديدة.. إن مكتبات بيروت التي كانت تجبرك على شراء عشرات الكتب المثيرة والجريئة والجديدة في كل زيارة لم تسترد حماسها الشهير للنشر بعد.. لا تزال تتقدم خطوة وترجع خطوتين.. وستصدم عندما تجد أن أكثر الكتب تنوعا وانتشارا هي كتب الفلك والأبراج.. لقد أحصيت أكثر من عشرين كتاب عن قراءة الأبراج على كافة الطرق.. الصينية والهندية والرقمية والفرعونية والأوروبية.. وعلى قائمة أشهر الكتاب وأكثرهم ثراء الآن ماجي فرح.. صاحبة أشهر الكتب في الأبراج.. والناس تصدق ما تقوله هذه الكتب التي دخلت كل بيت وكأنها كتبا مقدسة.. أو كأنها قشة يتعلقون بها لمعرفة ما تخبئه الأيام بعد أن اختبروا غدرها وسهولة انقلابها عليهم دون علامات أو مقدمات أو إشارات. على أن مكتبات بيروت لا تخلو من بعض الكتب التي تستحق عناء حملها والسفر بها.. إن معظم هذه الكتب هي كتب سيرة ذاتية.. وأنا عاشق لكتب السيرة الذاتية.. سواء التي يكتبها المشاهير عن أنفسهم أو يكتبها غيرهم عنهم.. فكل واحد من هؤلاء تجربة خاصة.. ولوحة خاصة.. ودراما معقدة هو الوحيد القادر على تفسيرها وفك خيوطها وفصل ألوانها.. وإن كنت مع غيري أتصور أن أصعب الكتابات في بلادنا العربية هي الكتابات التي تسجل اعترافات النفس.. فلا أحد منا يحترم الحقيقة.. وكل كلمة خاصة يعترف بها إنسان هي حجر يقدمه بنفسه الى خصومه الذين لن يترددوا في ضربه به.. إن الناس تركت التجربة العريضة للدكتور لويس عوض وتوقف في مذكراته عند سطرين تحدث فيهما عن سلوك والده.. وهو ما جرى مع الدكتورة لطيفة الزيات.. وتوفيق الحكيم.. لذلك سيسافر الأدباء والمبدعين والسياسيين العرب الى الآخرة دون أن نعرف حقيقة ما فعلوه في الدنيا.. وجدت في مكتبات بيروت ترجمة دقيقة قدمها فواز طرابلسي لمذكرات المفكر الفلسطيني الشهير وأستاذ الأدب المقارن في جامعة (كولومبيا) الدكتور ادوارد سعيد التي بدأ في كتابتها بعد أن أصيب بسرطان الدم في عام 1991 ونشرها تحت عنوان (خارج المكان).. وهي سيرة ذاتية مثيرة تتفجر بمعاناة التناقض التي عاشها بين جذوره الشرقية وحياته الغربية.. بين تربيته المحافظة والحياة المنفلتة من حوله.. بين حماسه لقضايا وطنه ورغبته في الانتماء لوطن آخر.. إنها رؤية من بعيد لعالمنا صاغها واحد ينتمي الينا لكنه يعيش بعيدا عنا. ووجدت ترجمة سهلة قدمتها غادة موسى الحسيني لمذكرات مليكة أوفقير أبنة وزير الداخلية المغربي الأسبق والأشهر محمد أوفقير الذي حاول الانقلاب على ملك المغرب السابق لكنه فشل وقبض عليه وأعدم.. لقد تربت ابنته في قصر الحكم.. لكنها وجدت نفسها هي وأسرتها في مأساة مروعة بعد ما فعله أبوها.. وهي تروي التناقض الذي عاشته بين حياة القصور وحياة الجحور في كتابها الذي نشرته بعنوان (السجينة).. وهو عنوان يلخص كل مراحل حياتها الحلوة والمرة.. فهي سجينة في كل هذه المراحل.. سواء في أجنحة الحريم.. أو في عيون الناس الشامتة المترقبة. ووجدت كتابا ضخما يروي سيرة حياة الزعيم اللبناني الكبير كمال جنبلاط كتبه الصحفي الروسي إيجور تيموفييف بعنوان (كمال جنبلاط: الرجل والأسطورة) وترجمه خيري الضامن.. وهو أكثر كتاب أقبل عليه اللبنانيون فهم يحنون الى جيل العظماء والزعماء من السياسيين في وقت صغرت فيه الشخصيات وصغرت فيه أدوارها وتصرفاتها. وتوقفت طويلا عند مذكرات المناضلة الشابة (سهى بشارة) التي نشرتها باللغة الفرنسية وترجمها أنطوان أبو زيد تحت عنوان (مقاومة).. وتروي فيها تجربتها الثورية في العمليات الفدائية وتجربتها القاسية في سجون الاسرائيلية. أما أكثر كتب السيرة الشخصية إثارة فهو كتاب (بورقيبة: سيرة شبه محرمة) كتبه بنفسه الصافي سعيد وهو يروي ويكشف أسرار الجنس والسياسة والسلطة في حياة الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي عاش القرن العشرين بأكمله.. فقد ولد عام 1900 ورحل عام 2000 وحظي بألقاب لم يحظ بها غيره.. مثل الزعيم والمجاهد الأكبر.. والرئيس الخالد.. وصانع الأمة.. ويمكن إضافة لقب آخر هو (وحيد القرن).. إن ساعات قليلة في بيروت تكفي لانتعاش القلب وتحريض العقل والتعامل باحتراف مع الحياة.. خاصة بعد أن عادت الى نفسها وبدأت في استرداد عرشها.