الحديث الذي أدلى به مدير كليات التقنية لشئون المجتمع في الامارات السيد سليمان الجاسم بشأن عدم قدرة الكليات على استيعاب الطاقة المفترضة من طلبات الالتحاق من قبل خريجينا من الثانوية العامة، شكل صدمة للكثير من المهتمين بشئون المجتمع وقضايا سوق العمل تحديدا, وقد ذكر الجاسم في حديثه بأن ذلك يعود للمخصصات المالية المعتمدة للكليات, فهذه لم تعد تفي بمتطلبات واحتياجات التعليم في كليات التقنية. هذا الكلام معناه ان أعدادا كبيرة من الطلاب والطالبات سيخفقون في الحصول على فرصة الالتحاق بهذه الكليات, وعليه فإن الاستياء الذي أبداه كثيرون من رجال الأعمال ومدراء المصارف والاعلاميين سببه ان آمالا كثيرة يعقدها المجتمع على مخرجات هذا النوع من التعليم ستتعثر للأسباب المالية المذكورة. وهنا نعود لنذكر بأن الكثير من اشكاليات مؤسساتنا وهيئاتنا المحلية والاتحادية عندما تطرح للنقاش والبحث, فإن الاعتمادات المالية غالبا ما تبرز على السطح باعتبارها المعوق الرئيسي أمام تنفيذ المشاريع واستحداث التغيير والتطوير على مستوى المجتمع ككل.. والتساؤل: لماذا؟ وما هو الحل؟ نعود للسيد سليمان الجاسم, فحديثه فتح نافذة حوار مع أحد السادة من مسئولي المصارف الوطنية في المجتمع, وقد تحدث الرجل طويلا, لكنه كان في طرحه متوازنا ومنطقيا وبعيدا كل البعد عن العاطفية أو الغوغائية وهو يطرح قضية التوطين في المصارف العاملة بالدولة, لكنه في الوقت نفسه كان قريبا حد التلامس مع هم المجتمع الأكبر فيما يتعلق بسياسة التوطين والاحلال, وأظن ان الرجل كان محكوما في طرحه بمنطق الأرقام وبلغة الأرباح والخسائر, وبنظرية النوعية التي يجب أن تحكم مخرجات التعليم لدينا (نقصد بذلك الخريجين) حتى يتم استيعابهم في هذه المصارف بشكل طبيعي جدا. ولا نعترض على طرح الرجل أو منطقه على الاطلاق, فذلك أمر طبيعي جدا, لذلك فإن استياء الكثيرين مما جاء في تصريحات الجاسم سببها انهم سيحرمون نوعية مطلوبة من الخريجين يمكن استيعابها في المصارف والشركات والمؤسسات الخاصة والتي تتطلب تأهيلا واستعدادا كاملا من حيث القدرات الشخصية والكفاءات المهنية والشروط التي يتطلبها سوق العمل في أيامنا هذه. لقد وصل الأمر بالعديد من البنوك إلى التهافت على خريجي كليات التقنية حد التعاقد المكتوب معهم منذ بداية التحاقهم بدراساتهم في الكلية وصرف رواتب رمزية لهم وتدريبهم حتى تخرجهم, وعندما يتم توظيفهم مباشرة وبسهولة, فإذن لا توجد مواقف مضادة ــ لا أقول عند الكل ــ ولكن عند الكثيرين بشأن الخريجين المواطنين, لكن المواقف تنحصر في منطقة محددة وواضحة جدا: نوعية الخريج وقدراته على العمل في قطاع المصارف والمؤسسات الخاصة, وللأسف فهناك خريجو جامعة لا يمكن زجهم في هذا القطاع أبدا والأسباب معروفة. إن توفير مظلة واقية من الاعتمادات المالية لكليات التقنية مطلب وطني ملح, حتى تسير خطط التنمية والتوطين بشكل سليم, هذا أولا, ثم ان اعادة هيكلة التخصصات والأقسام الموجودة في جامعة الامارات وغلق بعضها نهائيا لانها لم تعد تفيد المجتمع في شيء على الاطلاق مطلب آخر لا يقل أهمية, ذلك ان طابور خريجي بعض التخصصات قد زاد عن الحد المعقول وشكل بطالة حقيقية سببها لا يعود لان المجتمع والمؤسسات لا تريد توظيفهم, ولكن لان مؤهلاتهم واستعداداتهم لا ضرورة لها وكل ما حدث انهم خسروا سنوات من أعمارهم في دراسة غير مجدية وأهدرت عليهم أموال في غير محلها, من هنا فإن الترشيد واعادة الهيكلة والتفكير بمنطق سوق العمل أمور أكثر من ملحة للمرحلة المقبلة.