غداً سيغادر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون البيت الأبيض إلى غير رجعة, وليس في حقيبته سوى ملابس شخصية وفضيحة يورثها لأحفاده, والقليل من العمل لصالح بلده. جميعنا يعلم أن بلداً كأمريكا لن يحتاج الى رئيس قوي أو متميز حتى تتحسن أحوال البلاد أو حتى ينعكس وجوده في منصبه إيجابياً على الاقتصاد, لأن أمريكا بلد تحكمه المؤسسات وليس الأفراد, وفيه قوانين ناظمة لإيقاع السياسة الخارجية, وهذا يعني أن سياسة الرئيس الأمريكي الجديد جورج بوش الابن لن تتغير مع العرب وكذلك مع اسرائيل, طالما العيب في دعم أمريكا اللامحدود لإسرائيل موجود في آلية عمل تلك المؤسسات, وليس في فرد يحب اسرائيل ولا يحب العرب, إذن نعلم تماماً أن لا جديد في هذا الشأن, ولا جدوى من عقد آمال جديدة على مجيء بوش الابن, إلا إذا حدثت معجزة وتحرك اللوبي العربي داخل أمريكا ودعم قضايا العرب, كما يفعل اللوبي اليهودي. وهذا الأمر ليس في المستقبل المنظور. لذلك سيغادر كلينتون البيت الأبيض مفكراً في وظيفة إعلامية عرضتها عليه إحدى المحطات المحبة للثرثرة والرغي ربما ليحكي تفاصيل غرامياته مع مونيكا, لأن الأمريكان يحبون هذا الصنف من القصص الفضائحية, طالما أن الرئيس لا شأن له في السياسة, وطالما يوجد فريق ضخم من المستشارين الذين لا يألون جهداً من التدخل في لون ربطات عنق كلينتون. فالزرقاء يحبها الاوروبيون لذلك يشيرون عليه بها عندما يزور بلداً أوروبياً, والآسيويون يحبونها حمراء منقطة بالأبيض, والعرب يفضلونها داكنة كأيامهم... إلخ. وتدخل المستشارين له طبيعة استعراضية عن كيفية ظهور الرئيس أمام الناس حتى يترك أثراً مهماً على حياتهم, كما حدث أمس في ليلة وداعه الشبيهة بحفل الأوسكار حيث البدلات الداكنة والوجوه الحليقة والروائح والأضواء والأوداج المنتفخة من كثرة الابتسام والعبارات البلاستيكية التي يتبادلها الفريق القديم مع الفريق الجديد وجميع هؤلاء الذين تحدثوا عن أمريكا لا شأن لهم في السياسة الأمريكية لأن أشخاصاً غيرهم في مكان ما يصنعون سياسة أمريكا وكل ما على هؤلاء الرسميين أن يفعلوه هو الابتسام والتلويح بالأذرع وهز الرؤوس. وهنا أذكر فيلماً لجاك نيكلسون عندما كان جنرالاً متهماً يُحاكم كونه سمح بارتكاب جريمة قتل لجندي في وحدته العسكرية المرابضة على حدود كوبا, فقال له المدعي العسكري الشاب إن أمريكا بلد الحريات الفردية والجماعية وليس بلد الديكتاتوريات, فأجابه الجنرال نيكلسون إن الحرية التي تتحدث عنها تحتاج الى حماية, وأنا السقف الذي يحمي حريتك! وهذا الموقف يلخص تماماً الحال الأمريكي بل حال كلينتون ذاته الذي لم يقدم شيئاً يذكر في مدة ولايته سوى انشغال الأمريكان بفضائحه الغرامية لعدة أشهر, حتى أن اسرائيل مستاءة منه كونه رئيساً سلبياً لم يخدم مصالحها ــ لا أدري كيف يكون إيجابياً ــ المهم ان بيلي الوسيم سيصبح غداً عاطلاً عن العمل وسيعيش على راتبه التقاعدي الذي تقدمه له الخزينة الحكومية ولن تطارده الأضواء وستبحث تشلسي ابنته عن صديق من الوسط الجامعي لترافقه الى مقهى ليلي, وستعمل قطتها المدللة على البحث عن قط قوي في الأحياء المجاورة, بينما ستنشغل هيلاري بالإعداد لأوراق الطلاق وستكثر من الاجتماعات مع محاميها لإنجاز ما وعدت به كلينتون منذ سنة. هذا السيناريو المحتمل لعائلة الرئيس في تصورنا, ويمكن ان نضيف عليه اقتراح أن يكتب كلينتون مذكراته بكتاب ويفضل أن يحمل اسم (شأن النساء في مكاتب الرؤساء), وحتى آنذاك نهديه عبر موجات الـ (اف.ام) المنتشرة كثيراً هذه الأيام أغنية (ليلة الوداع) لعبدالوهاب كلينتون.