لا أحد مثل هذا الأمير في الخليج العربي, ملك أن يسجل اسمه, ويجعل الدهر يردد كلماته في نغم شجي لا يصمت ولا يتوقف أبداً. حمل حلمه ورحل إلى النيل, عنده أبدع, أرسل آهاته, يشكو قصة الحب الذي لا ينتهي, في قلب يحمل مشاعر شاعر عاشق, تيّمه الوجد والهجران. يمنّي النفس في رحلة شبابه نحو النيل, أن تسكن مشاعره المدينة الكنانة, التي هي بيت جميع العرب. أن يردد هذا النهر العظيم صدى قصائده. كان يحلم. يحلم فقط أن يتوقف النيل ويحفظ كلماته, لم يتوقف النهر لكنه حفظ آهات الأمير وكتب اسمه في مكان لا يخفى ولا يمتسح. بقعة اكبر من طول خط سيره, أوسع من فسحة الأرض التي تشربه, ومن الناس الذين يمارسون انتظار وصوله. سجل اسمه في مكان خالد لا يجف ولا تتوقف الحياة فيه, لا يمل الناس عشقه والحنين إليه. سجله في مملكة أم كلثوم. أي حظ هذا الذي فاز به هذا الشاعر الخليجي, أن يشدو له هذا الصوت الساحر الذي كان وسيبقى نجما لا يغيب ولا يفقد بريقه في سماء الغناء الجميل. وان يكون وحده من هذه البقعة التي تغير الزمن فصارت أغلى وأغنى وأشهر منطقة في هذا الوطن الكبير. وحده الذي غنت له كوكب الشرق. وكانت إحدى قصائده واحدة من أشهر وأجمل ما غنت أم كلثوم, تنتمي إلى منزلة الروائع التي تحن لها القلوب دائما مع (الاطلال) و(أنت عمري) و(أراك عصي الدمع) و(أغداً ألقاك) و(رق الحبيب) و(ألف ليلة وليلة). إنها (ثورة الشك): أكاد أشك في نفسي لأنيّ أكاد أشك فيك وأنت منيّ يقول الناس إنك خنت عهدي ولم تحفظ هواي ولم تصنّي وأنت مناي أجمعها مشت بي إليك خطى الشباب المطمئنّ يكذّب فيك كلّ الناس قلبي وتسمع فيك كلّ الناس أذني وكم طافت عليّ ظلال شكّ أقضّت مضجعي وأستعبدتني كأنّي طاف بي ركب الليالي يحدّث عنك في الدنيا وعنّي على أنيّ أغالط فيك سمعي وتبصر فيك غير الشك عيني وماأنا بالمصدق فيك قولا ولكنّي شقيت بحسن ظنّي تعذّب في لهيب الشكّ روحي وتشقى بالظنون وبالتمنّي أجبني إذ سألتك هل صحيح حديث الناس خنت. ألم تخنّي؟ وغنت له أيضا قصيدة أخرى, يجهل كثير من الناس انها من كلمات الأمير, فيكون عبدالله الفيصل من الشعراء القلائل الذين غنت لهم أم كلثوم اكثر من قصيدة. هذه الاغنية هي (من أجل عينيك) وتقول كلماتها: من بريق الوجد في عينيك أشعلت حنيني وعلى دربك أنى ّ رحْت أرسلت عيوني الرّؤى حولي غامت بين شكّي ويقيني والمنى ترقص في قلبي على لحن شجوني أستشف الوجد في عينيك آهات دفينه يتوارى بين أنفاسك كيلا استبينه لست ادري أهو الحب الذي خفت شجونه أم تخوّفت من اللوّم فآثرت السكينة أذكر قبل حوالي عشرين عاما, اقتنيت ديوان شعر يحمل عنوان (وحي الحرمان), شدتني نبرة الألم التي يحاول أن يصدمك بها عنوانه, واختيار شاعره أن يوقع غلاف الديوان باسم (محروم). ماكان هذا المحروم سوى الأمير السعودي عبدالله الفيصل. قد لا يصدق القارىء هذا الادعاء! يعترف عبدالله الفيصل في مقدمة الديوان أن الناس سيقولون ذلك. فهو أمير شاب في مقتبل العمر, غني, وزير لوزارتين من أسرة حاكمة, إلى غير ذلك من الصفات التي تمنع الحرمان وتقضي عليه. لكنه يقول (هذا هو الوجه الظاهر لماضيّ وحاضري, ولكن متى كان الظاهر كافيا للحكم على الأشياء ورسم حقائقها وأوضاعها, ومتى كانت الظواهر تعبّر عن البواطن). يستعرض قصة حياته, كيف كانت بداياته (لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب كما يظن الكثيرون) يتحدث عن جده الملك الراحل عبد العزيز, عن والدته (علمتني بحق أن اعرف من أنا), ووالده (أبي رجل مثالي عبقري عظيم) الذي تأثر به كثيراً, فكان أستاذه الأول, عن تعليمه ودراسته, ويذكر مدرسة الحياة الكبرى التي وجد نفسه فيها. يحدثك في (وحي الحرمان) عن السعادة التي لم تكن في الوزارة أو الجاه أو الشباب أو المال. السعادة الحقيقية التي حرم منها والتي يكون (مقرها في النفس ومنبعها من الإحساس, فأنت سعيد إذا أحسست بالسعادة). جانب من سيرة حياته, وباقة من أشعاره يقدمها في هذا الديوان, الذي أظنه الأول, صدر بعده ديوان آخر هو (حديث قلب) وحمل هذا الإصدار الاسم الصريح للشاعر. جزء من قلب الشاعر وأحلامه كان في أرض النيل, التي كانت عنده هي العشق والإبداع والذكريات, والانطلاق منها ليسمعه كل العرب, وبأجمل أصوات عرفها الفن العربي ووصلت إلى كل ارض وكل أذن, بعد أم كلثوم كانت هناك رحلة أخرى وتجربة جديدة هذه المرة مع (العندليب)... نكمل الاسبوع المقبل.