منذ غابر الايام, وقديم الزمان, ونحن نقرأ اشعار المديح ونثريات التفريط, ليس في الأدب العربي, وحسب, وانما ايضا في مختلف الآداب العالمية. واذا رجعنا الى تاريخنا التليد في سالف الدهر, نجد انه يموج بقصائد التعظيم التي يسكب الشعراء اقداحها على اعتاب الممدوحين, في مناسبات مختلفة. وكثيرا ما كان يجري تدبيج ابيات الشعر التمجيدية, لدى احراز انتصارات عسكرية باهرة في ساحات الوغى وحلبات القتال, أو عند حيازة الممدوح صفات حميدة كالكرم والشهامة والصدق. وفي مقابل هذه الادبيات المشروعة كانت هناك, ايضا, وللأسف, قصائد طنانة رخيصة, هدفها تقريظ هذا السلطان أو ذاك, وانزاله منزلة الملائكة واكسابه بعض سمات الألوهية والقدرة على اجتراح المعجزات. وكان الشعراء يرمون من وراء قرض هذا النوع المبتذل من الشعر, الى التكسب والارتزاق واقتناص المغانم وتصيد الهبات والهدايا, دون ان يكون هناك اي مبرر أو مسوغ لحرق بخور الثناء, واطلاق صيحات الاعجاب تمجيدا لانجازات السلطان الوهمية. والى جانب هذا, كان يوجد ايضا, شعر الهجاء والنقد والشتيمة. واذا تركنا الماضي بكل ما حفل به من مفارقات وسلبيات ادبية وشعرية وتلمسنا واقعنا الحالي, ولاسيما السياسي, نجد ان الصور القديمة تتكرر اليوم بأشكال اخرى في بعض اجهزة اعلامنا العربية, سواء منها المكتوبة او المسموعة او المرئية, فهناك كتابات تعظم بعض الزعماء والمسئولين عندما يقومون بأعمال ايجابية تستحق التقدير, وبخاصة في حالة إقدام هؤلاء على خطوات عملية باتجاه بناء المجتمع المدني وتوسيع هوامش الحريات العامة وتحقيق الاصلاح الاقتصادي وتخفيف الاعباء المعيشية عن ابناء الشعب. وهذا أمر لا غبار عليه. فالتقريظ, عندما يكون في محله, وحينما يعتمد على خلفية عملية واقعية, من شأنه أن يقود الى نتائج مفيدة ويؤدي الى تشجيع السلطة على إجراء المزيد من الانفتاحات والاصلاحات. ولكن للأسف, فإن هناك نوعا آخر رخيصا من الكتابات التمجيدية التي لا ترمي الا الى المديح من أجل المديح وبهدف اغتراف المكاسب. وفي هذه الحالة, لا يهم المادح, كون الممدوح يحقق انجازات ايجابية, ام لا, كما انه لا يكترث لما يجري على الأرض, حتى لو كان سلبيا ويبعث على الاستياء, فالمهم فقط أن يمدح ويقبض ثمن المديح. ان من المؤسف حقا ان نجد هذا الصحفي أو ذاك, ينبري لتعظيم زعيم أو مسئول أو فئة, بحماس منقطع النظير, وباستخدام عبارات تأليهية مخجلة, دون ان يقابل هذا أي انجاز واقعي من قبل الجهة الممدوحة. وفي العادة يطلق على الصحفيين الذين هم على هذه الشاكلة لقب (كتّاب السلطة) أو (الكتاب المنافقين). وهؤلاء لا يعيرون اهتماما للأحداث والوقائع ولا يبالون بازدهار الاحوال في بلد ما او تدهورها, وانما كل ما يعنيه تقريظ السلطة من أجل الحصول على اموال او مناصب, اي ان القبض عندهم هو هدف التصفيق. وهذا الوضع المزري يؤدي الى شكلين من الضرر, اولهما التستير على الاخطاء واخفاء الانحرافات والتعتيم على السلبيات. وثانيهما تضليل السلطة وايهامها بأن جميع الامور تسير على مايرام. فعندما يشيد الصحفيون او الاذاعيون بمناقب المسئولين ويكسبونهم صفات البطولة, ويرفعونهم لفظيا الى اعالي السماء, يشعر هؤلاء ان الأوضاع تتخذ شكلها الصحيح, ممايجعل من غير الضروري اجراء أية اصلاحات. وبتعبير آخر, فان التمجيد السياسي المفرط يؤدي الى وضع غشاوة كثيفة على أعين المسئولين ويوهمهم بأن الاحوال في البلاد لا تستدعي اي تصحيح, ولسوء الحظ, فان هذا الضرب من التمجيد تحول الى ما يشبه التجارة أو ربما الى ثقافة قائمة بذاتها, وهي ثقافة النفاق التي تعني تكريس كامل الانتاج الكتابي لحرق بخور الاعجاب بأصحاب القرار والاشادة بحكمتهم ومعجزاتهم بغية كسب عطفهم واستجداء المغانم منهم. ان اصحاب هذه الثقافة يغردون عادة على كل غصن, ويتلونون بكل لون, ويقرظون كل من هو على المنصة. ولكن ما ان يتوارى هذا عن الساحة ويفقد عصا النفوذ, حتى يتخلوا عنه وينبروا لتعظيم من يخلفه, وربما ينهالون عليه بوابل النقد والتهجم. والآن: كيف يجب الرد على مثل هؤلاء الكتاب أو الصحفيين؟ وللجواب على هذا التساؤل نقول ان المسئولية هنا تقع على كاهل السلطة التي يجب عليها ان تعرف ان اولئك المداحين, انما يسيئون اليها اكثر مما يحسنون, وانهم يقفون حجر عثرة في سبيل تقدم البلاد, لانهم يعتمون على المشكلات الحقيقية التي يعاني منها الوطن, خدمة لمصالحهم الخاصة. وهم عندما يمدحون من لا يستحق المديح, انما يضعونه في موقف حرج بدلا من تحسين صورته. كما ان الدوريات النزيهة بدورها ينبغي ان تمتنع عن النشر لمثل هؤلاء الكتّاب المزاودين الذين لا هم لهم سوى التطبيل والتزمير, كما يفعل المصفقون والمغنون في الاعراس ومناسبات الفرح. وهذا ينطوي على مس بقدسية الكتابة وانزالها من برجها العالي الى حضيض الابتذال. وننتقل الآن من ثقافة التعظيم الى ثقافة النقد الذي يفتح الابواب ويشرّع القوى امام تقدم البلاد وتطورها. ولاشك ان السلطة المخلصة ترحب بالنقد البناء الذي لا يقصد منه زعزعة الاستقرار واشاعة العنف, اكثر مما تسر بالتمجيد غير القائم على اساس لان الاول هو الذي يمكن التعويل عليه في كشف النقاب عن مكامن الضعف واماطة اللثام عن مواطن الخلل, تمهيدا لمعالجتها, اما الثاني فانه يستر على العيوب, ويعتم على الاخطاء ولا يقود الا الى الخراب. وهكذا, فان هناك طريقين امام الكتاب والصحفيين, فاما ان يضربوا عرض الحائط بمصالح الوطن وبسمعاتهم الشخصية, وحتى بكراماتهم, فيختاروا طريق النفاق والمصانعة والسباحة مع الأمواج المتقدمة, او ان يكتبوا في الاتجاه الصحيح الذي يشخص مشكلات البلاد, ويساعد على ايجاد الحلول المناسبة لها. * كاتب سوري