كنا خمسة طلاب في المقصف الطلابي في جامعة ويلز (جنوب بريطانيا) نتناقش حول جمال عبدالناصر: بريطانيان ويوغندي وعربيان كنت احدهما. كان ذلك في أواخر عقد الستينيات. وتحدث الشاب العربي الآخر بعصبية تتناقض مع الروح الموضوعية العامة التي سادت المناقشة, ناعتا عبدالناصر بأقذر الشتائم. وعلى حين فجأة نهض احد الطالبين البريطانيين وهوى على خد زميلي العربي بصفعة رنانة. ولاحقا قال لي الزميل البريطاني: (أنا شخصيا ضد عبدالناصر لكن مع ذلك اعتبره زعيماً محترما). وهكذا بعد قرون طويلة متصلة من الهوان والذل والضياع خلق عبدالناصر للعرب اسما جديرا بالاحترام في العالم بأسره بقدر ما خلق لهم حضوراً مهاباً في الساحة الدولية. طوال الخمسينيات والستينيات كان العربي الذي يتجول في شارع عاصمة أوروبية يتملكه شعور بالاعتزاز وهو يسمع رجلاً أو سيدة أو طفلاً يشير اليه بعد ان يعرف انه عربي بعبارة (ناصر) تعبيراً عن اعجاب. الحرب العربية الاسرائيلية التي وقعت في يونيو 1967 وعرفت غربياً باسم (حرب الايام الستة) كانت هزيمة قاطعة ليس لمصر والامة العربية وحدهما بل لعبدالنصر شخصياً. ومع ذلك فإن هناك سؤالا لايزال يدهش الولايات المتحدة والغرب عموما: كيف بقى عبدالناصر للسنوات الثلاث التالية لحين وفاته في عام 1970 محل احترام العرب أجمعين, ورمزاً وتجسيداً لوحدتهم؟ على العكس من ذلك فإن شعبية عبدالناصر بعد الهزيمة ازدادت واتسعت. لقد كان اندلاع تلك الحرب فرصة تاريخية نادرة امام الولايات المتحدة لتلقي بناصر بعيداً عن مجرى التاريخ وتدمر صورته العربية نهائيا. وعلى اساس السعي لتحقيق هذا الهدف الشرير اقامت ادارة الرئيس ليندون جونسون جسراً جوياً بين واشنطن وتل ابيب, بمجرد اشتعال القتال تلقت القوات الاسرائيلية عبره احدث واخطر ما انتجته مصانع السلاح الامريكية. وكان الهدف هو ان تكون هزيمة مصر من الشدة بحيث تندلع ثورة شعبية تطيح بعبد الناصر ونظامه. ومالم يفهمه خبراء الاستراتيجية الامريكية هو ان ما اعطاه عبدالناصر لشعوب الامة العربية هو فوق منطق النصر أو الهزيمة بالمعنى المادي في معارك الحرب. لقد ايقظ عبدالناصر في الشعوب العربية الاحساس بكرامة الذات والثقة بالنفس والشعور بأنهم أمة واحدة. ولهذا فإنه عندما حان الاجل الذي لا يؤجل وخمدت انفاس جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970 انقلب الوطن العربي برمته الى مأتم من المحيط الى الخليج. ولا أعرف في التاريخ المعاصر للعرب كارثة بحجم وفداحة تلك المحنه التي تمثلت في رحيل ذلك الزعيم الذي طلع على الأمة في مطلع خمسينيات القرن الماضي على غير موعد. لقد كانت قصة جمال عبدالناصر مع امريكا قصة خيبة امل متبادلة فقد ظن ناصر أن امريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية هي امريكا ما بعد الحرب العالمية الأولى.. امريكا الرئيس توماس ولسون الذي كان ينادي ويؤمن بمبدأ حق الشعوب في التحرر من الاستعمار وتقرير مصيرها. وظنت واشنطن ان مصر عبدالناصر (جمهورية موز) وان ناصر يقبل أن يكون عميلاً للولايات المتحدة وأداة لاستراتيجيتها في الشرق الاوسط بما في ذلك قبوله بهيمنة اسرائيلية على العرب بدعم امريكي. وتوالت احداث حاسمة ليكتشف كل من الطرفين انه مخطىء في تقديره ورؤيته الى الطرف الآخر. ومن هنا وقع ذلك الصدام التاريخي بينهما الى أن رحل عبدالناصر. ومع استمرار العداء الامريكي للأمة العربية حتى اليوم يبقى العرب في انتظار ناصر جديد.