العولمة الاقتصادية وحرية حركة رأس المال عبر الحدود بلا قيود ولا ضوابط كانت نتيجتها الأولى تقلص سلطة الحكومات الوطنية في مواجهة الشركات المتعددة الجنسية, التي أصبحت ميزانيات بعضها تفوق ميزانيات دول تدخل في عداد الدول الصناعية المتقدمة, هذا التقلص بات واضحا في (هروب) الأسعار من سيطرة تلك الحكومات, وبالتالي أصبحت الشعوب ترى نفسها عاجزة في مواجهة رأسمال متوحش, كل ما يرغب فيه هو تحقيق اكبر معدل من الربح في أقل فترة زمنية ممكنة, نتيجة لتلك السياسة المالية المتوحشة بدأنا نشهد انتشار أزمات غريبة, لا تتسق مع التقدم العلمي الذي حققته البشرية وهي تبدأ خطواتها الأولى في القرن الواحد والعشرين, تطفو على السطح ما بين يوم وليلة لتقضي على جهود شعوب بأكملها نتيجة أزمات مفتعلة, ومعروف من يقف من ورائها, كما حدث في دول جنوب شرق آسيا (النمور الآسيوية), التي كانت المؤسسات المالية المثيرة للأزمة تقدمها على أنها نموذج التطور الاقتصادي في العالم الثالث. أو ما حدث في البرازيل في أزمتها التي تلت أزمة (النمور الآسيوية), والأرجنتين التي تقف الآن على حافة الانهيار الاقتصادي بعد عشر سنوات من الأوهام عاشتها في ظل الرئيس كارلوس منعم, الذي ترك البلاد تتخبط ما بين البيزو والدولار كعملة رسمية, وقبلهما المكسيك التي كانت تقف على أبواب الانضمام إلى العالم الأول , عندما فاجأت العالم بحدثين غير متوقعين: انهيار عملتها التي حملتها ديونا رهنت إنتاجها من البترول خلال القرن الواحد والعشرين كله, وآخر الثورات اليسارية في تشياباس التي جاءت لتقلب الموازين التي وضعتها الولايات المتحدة كمهيمن أوحد على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. بل تعدت تلك الآثار السلبية للعولمة الاقتصادية دول العالم المتخلف إلى العالم المتقدم في أوروبا الغربية والولايات المتحدة التي تعتمد الأنظمة الديمقراطية المدافعة عن تلك العولمة , فقد امتدت تلك الآثار السلبية إلى تلك الدول في شكل أزمات من نوع آخر, ليست كما حدثت في العالم الثالث, ولكنها أزمات جاءت لتضرب الاقتصاد أيضا في شكل (جنون البقر) و(سرطان البلقان), كلها صبت في أزمة أكبر بين الشعوب والساسة في تلك الدول, وهي (أزمة ثقة). هذه الأزمة جاءت نتيجة لتلك الأزمات الناتجة عن تكالب الشركات الكبرى ورؤوس الأموال الإقليمية والمحلية السائرة على الدرب نفسه على تحقيق أعلى معدل من الأرباح, وتراخي الأوضاع القانونية في تلك الدول نتيجة ضغوط رأس المال, وكانت النتيجة سهولة كبيرة في طرد العمال تحت مسمى تقليص حجم العمالة لتخفيض التكلفة الإنتاجية, وفتح الباب أمام إحلال وتجديد وسائل الإنتاج بتكنولوجيا جديدة متطورة ليست في حاجة إلى أيد عاملة, أو غيرها من الأعذار التي لم تعد تحكمها قوانين العمل بعد أن تم تعديلها لصالح الشركات ورؤوس الأموال . إضافة إلى أزمات أخرى لا تجد تلك (الحكومات الديمقراطية) تفسيرا لها, في حين تؤكد كل الشواهد أنها لا تخلو من شبهات تشير إلى جشع رأس المال كما هو الحال في أزمة (جنون البقر), التي تؤكد تحليلات علمية وطبية أنها ناتجة عن استعجال رأس المال في زيادة سرعة الدورة المالية, لتحقيق أعلى معدل من الأرباح, باستخدام وسائل غير صحية في تسمين البقر المعد للذبح, باستخدام أعلاف مصنوعة من مخلفات حيوانات نافقة, أو مخلفات ذبح تلك الحيوانات نفسها, مما أدى إلى دخول عناصر غريبة على تغذية تلك الحيوانات, وبالتالي إصابتها بالأمراض التي تنتقل للإنسان المستهلك عبر الدورة الغذائية المعتادة التي تستخدمها شعوب تلك البلاد. وهناك من يؤكد أن أزمة الثقة بين الساسة والشعوب الديمقراطية , لأن الديمقراطية لا تعرف (حكومات) بل تعرف سياسيين محترفين أخذوا على عاتقهم مهمة لعب دور الحاكم, تعود تلك الأزمة إلى عجز السياسيين الذين تشكل أحزابهم الحكومات في أوروبا الغربية عن تقديم تفسير مقنع لتلك الأزمات الحيوية, وفي الوقت نفسه لا يسئ إلى رأس المال المتسبب في تلك الأزمة, بعد أن عجز السياسيون المحترفون عن اتخاذ قرارات حاسمة ضد المتسببين فيها, بدلا من إمساك العصا من المنتصف بين الجماهير والشركات الكبرى والمتعددة الجنسية. تجلى هذا العجز السياسي بأشكال مختلفة, في أسبانيا مثلا, نجد أن الحكومة المركزية ومعها الحكومات الإقليمية التابعة لحزب التحالف الشعبي اليمين بقيادة رئيس الوزراء خوسيه ماريا أزنار في حالة من (الصمت المريب) , الذي يدل على أن سياسيي الحزب الحاكم لا يجدون ما يبررون به موقفهم لشرح عدة أزمات متفرعة عن جنون البقر, ولا يمكنهم تقديم تفسير لها أو وضع حلول لتلك المشاكل إلا من خلال قرارات تدين رأس المال المتعجل الجامح في جني الأرباح بلا ضوابط, وفي الوقت نفسه لا يجد الحزب الحاكم شجاعة في تقديم ضحايا من بين وزرائه كما فعلت الحكومة الألمانية , باستقالة وزيرين منها, واعترافها بعجزها مبدئيا على مواجهة مشكلة تبدو مرتبطة بحركة رأس المال الحر, أكثر منها مشكلة صحية محلية, مع أن الهدف من الاستقالات ليس سوى محاولة كسب الثقة المفتقدة مع الجماهير, من خلال فتح الباب أمام وجوه أخرى جديدة تحاول استعادة هذه الثقة المفتقدة, ولو بتقديم حلول ناقصة في انتظار أن يمر الوقت وتهدأ موجة الاحتجاجات التي تعم كل أوروبا. يحدث الأمر نفسه في إيطاليا وفرنسا والبرتغال وبلجيكا, التي انضمت أزمات أخرى إلى جانب أزمة جنون البقر لتكشف إلى أي مدى أصبحت أوروبا الغربية رهينة الشركات الكبرى , التي تدافع تلك الحكومات عن حريتها في العمل والتنقل بين حدودها, دون أن تملك وضع ضوابط لتخفيف النتائج السلبية لنشاط تلك الشركات. ثم جاء انتشار الأمراض السرطانية بين جنود دول حلف الاطلسي, الذين شاركوا في حروب البوسنة والهرسك وكوزوفو لتضيف أزمة جديدة مزدوجة هذه المرة, لأنها ناتجة عن خضوع حكومات أوروبا الغربية للسياسة الأمريكية, التي أصبحت لاتقيم وزنا للحكومات الحليفة من خلال استخدامها أسلحة مشبوهة ينتج عنها إصابة جنود الحلفاء بأمراض خطيرة, ناتجة عن ما تسميه القيادة العسكرية الأمريكية (الآثار الجانبية) لاستخدام أنواع معينة من الأسلحة التي تنتجها الشركات الأمريكية الكبرى, التي تحصل على أرباح بالمليارات مقابل دعم انتخاب الرئيس الأمريكي, سواء كان تابعا للحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري, كلاهما رهينة للوبي شركات الأسلحة. أزمة الثقة بين الجماهير والسياسيين في أوروبا الغربية أصبحت واضحة تماما, وتدل عليها الأرقام التي تقدمها مؤسسات استطلاعات الرأي العام في تلك البلاد, كما تدل عليها الإحصائيات الناتجة عن الدورات الانتخابية التي جرت مؤخرا في عدد منها , سواء لاختيار أعضاء البرلمان أو لاختيار الحكومات. أكد آخر استطلاع للرأي في مجموعة الدول التي تشكل منطقة العملة الأوروبية الموحدة (اليورو), أن الغالبية العظمى لا تثق في مستقبل زاهر كما تحاول أن تبين حكومات تلك الدول, لأنها لا تثق في السياسيين الذين يقودون هذا التحول, لا تزيد نسبة الثقة في السياسيين على 16 في المئة, وهي نسبة تؤكد أن السياسيين فقدوا كل تقدير واحترام من جانب الجماهير. أيضا من خلال الاطلاع على نسبة المشاركين في الانتخابات الإسبانية التي جرت قبل عشرة أشهر فقط, أو الانتخابات التي جرت الأحد الماضي في البرتغال لاختيار رئيس الدولة, نجد أن نسبة عالية جدا من الذين يملكون حق التصويت قرروا البقاء في بيوتهم أو الخروج في نزهات خاصة مع أصدقائهم وعائلاتهم بدلا من ممارسة حق من الحقوق الرئيسية التي يكفلها لهم الدستور. في الانتخابات الأسبانية التي جرت العام الماضي انخفضت نسبة المشاركين في التصويت من 76 في المئة إلى حوالي 65 في المئة, وهذا الانخفاض كانت نتيجته حصول الحزب الشعبي اليميني على الأغلبية المطلقة في البرلمان الوطني, وهي نسبة لم يكن يتوقعها الحزب الفائز نفسه (؟!), وخالفت كل الاستطلاعات التي جرت قبل الانتخابات بأسابيع قليلة. ثم جاءت سياسات الحزب اليميني التي يمارسها خلال هذه الدورة البرلمانية مخيبة حتى للذين منحوه أصواتهم عن ثقة في برنامج كان يؤكد مرشح الحزب لرئاسة الوزراء أنه سيتم تنفيذه حرفيا, كل ممارسات الحكومة اليمينية في إسبانيا حتى الآن تحاول تؤكد أن الفوز الساحق وغير المتوقع جاء كما لو كان (شيك على بياض) لعمل أي شيء في أي شيء إلا مصالح الجماهير العريضة, واكتشفت الجماهير التي شاركت في الاقتراع أنها أخطأت بالتصويت لصالح الحزب اليميني, ويبرر الذين لم يشاركوا في التصويت امتناعهم بأن الحكومة أي كان لونها لن تغير من الواقع المفروض من الخارج بعد أن فقدت الحكومة الوطنية جزءا من سلطتها لصالح الاتحاد الأوروبي , وجزءا آخر لصالح الشركات الكبرى, وما تبقى مرهون بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية, التي أصبحت تفرض استراتيجيتها على الدول الأوروبية أعضاء الحلف الاطلسي, ومن بينها أسبانيا, دون الأخذ في الاعتبار حقوق الحليف واستراتيجيته الخاصة . الأمر نفسه حدث الأحد الماضي في البرتغال, بإعادة انتخاب الرئيس الحالي جورجي سامبايو لخمس سنوات أخرى, حيث بلغت نسبة الامتناع عن التصويت 49 في المئة, أي أن ما يقرب من نصف من يملكون حق التصويت لم تكن لديهم الأسباب الكافية التي تدفعهم إلى ممارسة هذا الحق, أو بمعنى آخر أنه لم تكن لديهم الثقة الكافية في أن مشاركتهم في التصويت ستغير الواقع في كثير أو قليل, وسيان لديهم أن يفوز المرشح الاشتراكي الرئيس سامبايو بإعادة انتخابه, أو أن يفوز مرشح اليمين, لأن أيا كان من يتولى المنصب لا يستطيع أن يقرر شيئا في ظل وجود سيطرة فاعلة من جانب الشركات الكبرى التي تسيطر على الغاز والكهرباء والمواصلات والاتصالات, التي تعتبر حيوية في حياة الفرد, لأنها تعمل جميعا بحرية كاملة, أو ضوابط يضعها الاتحاد الأوروبي كحكومة مركزية للدول الأعضاء, وهي ضوابط أيضا تعمل لصالح الشركات الأوروبية التي تملك التحرك عبر حدود الدول الأعضاء بلا قيود. السؤال الذي يطرحه الآن معظم المحللين السياسيين في أوروبا, وينطبق أيضا على غيرها من الدول التي تتخذ من (السوق الحر) قاعدة لأنشطتها الاقتصادية: كيف يمكن المواءمة بين الحرية الكاملة لحركة رؤوس الأموال, التي أصبحت قاعدة أساسية في ظل العولمة وبين الحاجة إلى حماية شعوب تلك الدول التي تتحرك فيها تلك الأموال؟. * كاتب مصري مقيم في أسبانيا.