فتح الجدل المثار حاليا حول المقارنة الخاطئة والظالمة بين الزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر والرئيس المصري الراحل أنور السادات باباً واسعاً للمغالطات والمبالغات, التي لا تضيف للمعرفة أو الوعي التاريخي شيئا, بقدر ما تثيره من تشويش على فكر الأجيال الناشئة, وما تسببه من اساءات لشخوص, فضلا عن تكريس منهج عقيم في التفكير والتأريخ لمرحلة مازالت تداعيات أحداثها حاضرة ومؤثرة في حياتنا, ولم تكتمل بعد شروط التعامل معها بموضوعية. فعندما اختارت إحدى الصحف الحزبية في مصر عنوانا لعددها التذكاري من أحداث وشخصيات القرن, وعنونته بـ (عبدالناصر بطل القرن والسادات الخائن الأعظم), وقعت في خطيئة المقارنة الظالمة, ودفعت بثنائيتها هذه قطاعا كبيرا من أبناء أمتنا العربية إلى الوقوف ــ رغما عنهم ــ إما في خانة الانبهار ببطولة عبدالناصر أو المدافعين عن وطنية السادات, وهي قسمة (ضيزى) وظالمة ومفتعلة, وتسيء إلى بطولة عبدالناصر أكثر مما تخدش من مكانة السادات, بل تصب في خانة الجدل العقيم, حيث تطلق الأحكام عشوائية دون سند, وفي غير أوانها. فمن حيث الاساءة لبطولة عبدالناصر, فإن هذا الحكم الظالم بخيانة السادات, يدفع الذين عملوا إلى جواره, أو حسبوا ضمن أتباعه, إلى الرد بمثلها, بعد أن يتخلوا هم أيضا عن وعيهم وموضوعيتهم, ويضطرون لارتداء مسوح (ندابات يونيو) ويكيلون التهم جزافا لعبدالناصر وعصره, الذي تسبب في أنكى وأفدح هزيمة للعرب في حرب الخامس من يونيو 1967 تلك الهزيمة التي فتحت للعدو الصهيوني القدس والضفة الغربية وكل شبه جزيرة سيناء. ويكتمل الجدل العقيم بتغيب حقائق واضحة وضوح شمس يونيو, بأن يظلم عبدالناصر ويحمل مسئولية حرب خطط لها دوليا بهدف ضرب مشروع النهضة العربية, ناهيك عن اغفال دوره في اعادة بناء الجيش والتحضير تدريبا وتخطيطا لحرب ونصر اكتوبر 1973, الذي لاحت بشائره بانتصارات حرب الاستنزاف 68ــ1973. على أن أخطر ما في هذه المقارنات الظالمة استسهال دمغ القيادات السياسية بالخيانة, وهي تهمة لا يجوز اطلاقها إلا باجماع الأمة, ويتوفر ما يستوجب اطلاقها من ثبوت التآمر مع العدو وتسهيل استيلائه على أرض الوطن أو مقدراته. ومهما اختلفت الآراء وتعاظمت الخصومة السياسية مع السادات, فهو منزه عن توصيفه بـ (الخائن الأعظم), قد تكون أخطاؤه إلا انها لم تنطلق إلا من قاعدة خدمة مصالح الوطن والأمة, حتى لو جاءت بعض نتائجها كارثية وعكس المقصد الأصلي, وهو ليس استثناء من ذلك, بل معظم القادة ساروا على نفس الطريق, وبه يحاسبون, ولقد كان شاعر العراق الكبير الجواهري أول من أشار إلى ذلك في رثائه لعبدالناصر في حفل تأبينه عام 1970 بعد وفاته بأربعين يوما عندما قال له مخاطبا: كنت عظيم المجد عظيم الأخطاء. ويحسب للمفكر القومي محمد عودة ــ أجرأ من تصدى في حياة السادات دفاعا عن عبدالناصر ــ نزاهة حكمه وجرأة رأيه في رفض وصف تلك الصحيفة للسادات بالخائن الأعظم ومطالبته لها بالاعتذار لأسرة السادات وللشعب العربي كله.