دعاني زميل أمريكي في جامعة هارفارد, حين كنت أعمل فيها أستاذا زائرا, أن أنضم اليه وعائلته في منزله الريفي لقضاء يوم من أيام العطلة, فاعتذرت لهذا الزميل بحجة أنني أحبس نفسي في ذلك اليوم، لكي أكتب مقالي الأسبوعي الذي ألتزم به منذ سنوات ثماني في جريدة (الحياة). وسألني زميلي مندهشا: هل تكتب حقا مقالا أسبوعيا في جريدة؟ قلت له: نعم, فصاح قائلا: أوه يا إلهي هذا أمر صعب جدا, أنا شخصيا لا أستطيع القيام به, ولم أكن أتخيل أننا معشر الأكاديميين في الجامعة نستطيع أن نقوم بهذا العبء الثقيل, فهل تنوي حقا الاستمرار في هذا الالتزام العسير؟ وحاولت بكل ما أستطيع أن أشرح لزميلي أن هذا النوع من الالتزام له مباهجه الخاصة, فهو لقاء حميم متكرر بالقراء, وهو حوار مستمر معهم, وشعور بأنهم يتابعون ما يكتب الإنسان ويعلقون عليه بالرسائل التي تقبل النشر أو لا تقبل النشر. ومضيت أحكي لزميلي ذكرياتي مع رسائل القراء المخالفة والموافقة, كما حكيت عن رسائل القارئات التي تذكر أسماء صاحبتها والرسائل التي تأتي غفلا من التوقيع, وقد أضاف اختراع (الفاكس) ثم البريد الاليكتروني على هذا الحوار أبعادا جديدة بالغة الطرافة والحميمية, وقصصت على زميلي طرائف من محاورات الفاكس والبريد الاليكتروني (E-mail) وقلت له إنني في كل مقال اسبوعي أشعر بلقاء مجاميع من الأصدقاء والصديقات الذين أنتظر لقاءهم والذين أتوهم أنهم ينتظرونني بشئ من الفضول على الأقل. ولم أتباعد عن الحقيقة عندما أكدت لصديقي أنني أحرص ما أكون على هذا النوع من الكتابة, خصوصا بعد أن أسهمت في توسيع دائرة معارفي وعلاقاتي بقطاعات أوسع من القراء. وكان ذلك كله قبل أن ألزم نفسي بكتابة استراحة أسبوعية في (البيان) العزيزة, وأضيف أن الالتزام الاسبوعي السابق التزاما آخر, صحيح أن ما أكتبه في (البيان) ينشر تحت عنوان (الاستراحة). وقد نبهني أصدقائي من (البيان) الى ضرورة البساطة و(الفضفضة) وتفضيل الموضوعات التي لا ترهق الذهن, والكتابة عما يثير المتعة والبسمة إن أمكن, فهذا هو معنى الاستراحة التي يهدأ فيها الكاتب, ويترك العنان لقلمه لكي يمضي مع تداعي خواطره الحرة دون مراجعة أو قيود. وتلك مهمة تبدو في ظاهرها سهلة جدا, لكن ما إن يمسك المرء بالقلم لكي يكتب استراحة حتى يختفي معنى الراحة, فمن ذا الذي يكتب وهو مسترخ, أو يترك العنان تماما لخواطره الحرة دون حسيب أو رقيب أو ضابط أو حتى عقل يوجه. ولهذا تنقلب (الاستراحة) في أغلب الأحيان الى ما ليس بالاستراحة, وتتجه بالكاتب والقارئ الى مناقشة قضايا لابد من مناقشتها وتأملها حتى لو كان النقاش والتأمل باسما يخلو من الجهامة. طبعا لا أعني بذلك أن كاتب الاستراحة عليه كتابة موضوعات بحثية, أو تحليلات منهجية صارمة, فهو لا يفعل ذلك بالقطع, وإنما يكتب ما يمتع عقل القارئ ويريحه في الوقت نفسه. ولست في حاجة الى تأكيد أن عملية إمتاع العقل ليست قرينة إرهاقه في كل الأحوال, وأن إثارة البسمة من موقف ما أو موضوع من الموضوعات قد تكون أكثر دفعا الى إعادة التأمل في هذا الموقف أو هذا الموضوع, كما أن خفة دم كاتب الاستراحة أو كاتبة الاستراحة تضيف الى معنى المتعة العقلية ما ظلت هذه المتعة قرين الجد الذي يبدو في صورة الهزل. ولهذا حفظنا من التراث حكما من قبيل: اجموا النفس ببعض الباطل حتى تقوى على الحق, وروحوا عن القلوب, وإن للنفوس سآمة أو ملالة كسآمة الأجسام أو ملالتها. هل يعني هذا أن كتابة الاستراحة لابد أن تكون ساخرة كلها, فكهة تماما حتى لو كانت على طريقة التنكيت والتبكيت التي سبقنا اليها جميعا شيخنا القديم عبدالله النديم؟ بالقطع لا, فالاستراحة ذات أوجه متعددة, ولكل مقام مقال كما يقول أهل البلاغة القديمة, وتنويع اضرب الكلام وتباين الموضوعات والتنقل بين الأغراض من الصفات اللازمة لمعنى الاستراحة, فالتكرار يبعث على الملل, وملازمة الموضوع الواحد تصيب القراء بالسأم, بل تصيب الكاتب نفسه بالسأم قبل القارئ. أنا شخصيا لا استطيع أن أمضي في مجال بحثي واحد الى ما لا نهاية, وأحب الانتقال من موضوع الى موضوع, حتى قراءاتي لا تتجه في خط واحد, ولا تقتصر على مجال بعينه, فأنا أحب الانتقال بين الموضوعات والمجالات, وأرفرف بينها وأحلق في سياقاتها, وأهبط حين أشاء على ما أشاء. ربما كان ذلك يرجع الى حرصي على أن يكون اسمي صفة لي في أفعالي, وربما كان الأمر راجعا الى البرج الذي ولدت فيه, وهو برج لا يرضي أصحابه بموقع واحد الى الأبد, ويؤثر الحركة والانتقال من فن الى فن كالطائر الذي ينتقل من غصن الى غصن. وربما كان ذلك بسبب أنني ابن سبعة أشهر فيما أخبرتني أمي عليها رحمة الله, أو أسباب مغايرة لا أعلمها, ولكنني متأكد أنني لست الوحيد في هذا الجانب, وأن الكثير من الكتاب والكاتبات يشتركون ويشتركن معي في صفات القلق الذي لا يبقي على صاحبه في موضوع واحد يرضى به موضعا دائما. وأحسب أن الأمر كذلك مع القراء, فأكثرهم يحب التنوع, ويرتاح الى التعدد في كل شئ. ولذلك ترضيهم الصحف والمجلات التي يقرأونها بما يشبع رغبتهم في التنوع, ويرضي توقعاتهم في التعدد, ولو لم يحدث ذلك لانصرف أكثر القراء عن الصحف والمجلات. ولكن حتى رغبات التغير والتنوع والتعدد في داخلي لا تتحقق ببساطة الكلام الذي أكتبه عن هذه الرغبات, خصوصا حين يتخذ الأمر شكل الالتزام الأسبوعي, وأجد نفسي ملزما كل أسبوع أن أجلس الى مكتبي في المنزل وأغلق على نفسي باب المكتب, و نزع (فيشة) التليفون وأنهى أهل البيت عن إزعاجي أو مقاطعتي, وحين لا أستطيع أن أجلس منعزلا في غرفة مكتبي أسبوعيا, أحاول تدبر الأمر وكتابة أكثر من مقال في وقت واحد, لكن سرعان ما يمر الوقت, وأجد نفسي ملزما بالجلوس الى المكتب وترك كل شيء, ولا أستطيع أن أفعل ذلك بالسهولة التي أتمناها, فما أكثر العوائق المؤرقة: رسائل الماجستير والدكتوراه التي أشرف عليها, ولابد أن أراجعها بدقة بعد كتابتها, ومن الظلم تأخير أصحابها, رئاسة تحرير المجلة الفصلية التي كنت ملتزما بها, دروسي في الجامعة, عملي في المجلس الأعلى للثقافة, أسرتي التي لها حق لا ينبغي أن ينازعه أي حق, الوقت الذي لابد أن أخصصه للقراءة ومتابعة الجديد في مجالات اهتماماتي البحثية: الأسفار التي لابد من القيام.. الخ .. الخ. حاولت التخفف من التزاماتي الكثيرة, اعتذرت عن رئاسة المجلة التي أرأس تحريرها, ولم أعد أشرف إلا على عدد محدود أقل من أصابع اليد الواحدة من طلاب الماجستير والدكتوراه, وظلمت أسرتي التي سامحتني في الكثير في حقوقها علىّ, وتقلصت حياتي الاجتماعية تدريجيا, ولا أسافر إلا في حالات الضرورة الملزمة, وذلك كله لكي أجد الوقت الكافي للكتابة والقراءة, وكي أتمتع بواحة عقلية, هي حجرة مكتبي ومكتبتي الخاصة التي لا يسعدني في الدنيا مقام إلا ما فيها, وأبذل جهدي لتنظيم وقتي, والغاء الأنشطة الاجتماعية غير الضرورية لكي تتسع ساعات التوحد في واحتي العقلية مكتبي ومكتبتي. ولكن من الذي يستطيع تنظيم وقته حسب ما يريد في وطننا العربي الممتد من المحيط الى الخليج. لا أحد يحترم خلوتك اذا أردت أن تخلو بنفسك. والأصدقاء يرون أن من حقهم قطع خلوة المختلى منهم. والرؤساء في كل مكان لا يعرفون معنى لتوحد مرؤوسيهم بين الكتب, ومن يعرفونك لا يعرفون معنى لاعتزازك عن أي مطلب. والنتيجة هي تكرار المصاعب نفسها, والعودة الى الدوامة المرهقة ذاتها. وقد وجدت حلا مؤقتا لذلك كله, وهو الفرار من العمل العام بين الحين والحين الى إحدى الجامعات الأجنبية, حيث أقضي فصلا دراسيا أو أكثر أعود فيه الى صورتي الإنسية وحالتي الجامعية الهادئة, وقد ذهبت الى جامعات مختلفة, منها جامعة هارفارد الأمريكية التي وجدت في مكتباتها ما يمكن أن يعينني على متابعة الجديد الذي صدر في تخصصي, وما يساعدني على التفرغ للكتابة ببعد القراءة, ومن ثم الاستجابة الى المطلب الصعب والمحبب الى النفس رغم ذلك, وهو التزام الكتابة الأسبوعية, وها أنذا أستعد للسفر الى هارفارد, والهروب من دوامة الحياة العامة في مصر لأشهر أربعة. وأعلم أن صديقي الأمريكي نفسه سوف يدعوني لقضاء يوم عطلة مع أسرته في الريف, خلال أشهر الشتاء الباقية أو على شواطئ المحيط خلال أشهر الربيع الآتية. وأعلن أنني سأقول له, حينئذ: لقد أصبحت أكثر التزاما بالكتابة الأسبوعية, ورغم علمي بصعوبتها البالغة فإنني أحب هذه الصعوبة, وأحرص عليها, لأنها تصلني بالقارئ الذي أعرفه على البعد, شبيهي وأخي, فيما وصفه قبلي الشاعر الفرنسي بودلير.