يشترك الاسرائيليون فى مجموعة من القيم والمفاهيم والمبادئ المستمدة من عقيدتهم الدينية الموروثة من تاريخهم القديم منها: سمو العنصر ويقوم على فكرة رئيسية وهى أن مجموعة من البشر يتسمون بكونهم طبيعيا اسمى من غيرهم, وعند الاسرائيليين الصهاينة فالسمو العنصرى ناتج من أنهم أسمى الجماعات البشرية لأنهم شعب الله المختار (حسب مفهومهم) وانهم شعب نقى عرقيا منذ ظهورهم على الأرض حتى الآن!! أى انهم لم يختلطوا بالأجناس والشعوب الاخرى وأنهم احتفظا بتقاليدهم الحضارية وتراثهم فى كل زمان ومكان. ومن منطلق سمو العنصر ووحدة العرق نشأ المجتمع اليهودى فى فلسطين تحت شعار رفعته جماعات الاستيطان الصهيونى مؤداه (أنه لا يمكن ممارسة حياة يهودية صحيحة فى أى مجتمع حديث خارج فلسطين (حيث يمكن التفاعل بين اليهود والحضارة الانسانية فيما سمي بالصهيونية بعد ذلك, وقام الرواد من الصهاينة بتمثيل الأيدلوجية باعتبارهم النموذج والقدرة على اختيار العمل وبالذات فى ميدان فلاحة الأرض باعتبار ذلك وسيلة لخلق إنسان يهودى جديد متسق مع القيم الموروثة وقدرتها على الحياة فى العصر الحديث. وتكشف لنا أيديولوجية الريادة تلك, جذور العنصرية, حيث زعمت الصهيونية أنها ستنهض فى فلسطين بعبء رسالة حضارية تتمثل فى تمدين وتحضير فلسطين, ويشهد على ذلك المفكر الصهيونى (موسى هس) عندما يقول مخاطبا المستوطنين من الصهاينة و(سيعيد رأسمالكم الحياة للأرض القاحلة وسيحول عملكم وجهدكم, مرة أخرى, التربة القديمة الى وديان مثمرة بعد ان تنقذوا الأرض من براثن رمال الصحراء الممتدة, بعد ذلك سوف يقدم لكم العالم من جديد آيات الولاء والاحترام). ويؤكد هرتزل على فكرة التحضر فى مواجهة الهمجية قائلا (وسنكون هناك جزءا من الحاجز الذى يحمى أوروبا فى آسيا, سنكون مخفرا أماميا للحضارة فى وجه الهمجية). ويدخل (ماكس تورد) على نفس الخط لكى يزيده توضيحا قائلا: (سوف نبذل وسعنا لكى نعمل فى الشرق الأدنى ماعمله الانجليز فى الهند, أعنى بذلك: النشاط الثقافى وليس السيطرة. نحن ننوي الذهاب الى فلسطين بمثابة الحملة المعتمدين للمدينة والتحضر, ورسالتنا هى توسيع الحدود الاخلاقية لأوروبا حتى نصل الى الفرات). ولعل ايمانهم بذلك هو مادفعهم بعد ذلك الى السياسات الاستيطانية والتى كان أبرزها اقتحام الأرض, بمعنى الاستيلاء على الأرض فى فلسطين وطرد (الأغيار) (غير اليهود العرب) وقد عزت القيادات الصهيونية ذلك الاقتحام الى مبدأ التطهر من السلوك الطفيلى الذى تمرس عليه اليهودى فى الشتات. وقد واكب اقتحام الأرض واقتحام الحراسة واقتحام الانتاج, أى عدم ترك أى فرصة لابقاء العرب على الحياة, لذا كان لابد من طردهم من الأرض والاحلال محلهم, وعدم الاستعانة بهم فى حراسة الأرض, وعدم التعامل معهم وفرض المقاطعة على منتجاتهم العربية. وهكذا ساهمت الممارسات العنصرية المؤسسة على فكرة سمو العنصر اليهودى ونقاء عرقه فى بناء التجمعات اليهودية الصهيونية الاستيطانية, وقد ترجم نجاح هذه الجماعات فى قدراتها على بناء مؤسسات ومنظمات وهيئات متعددة, أصبحت فيما بعد نواة الدولة وأجهزتها بعد 1948. ومنذ تأسيس (الدولة الاسرائيلية) وهى تمارس نظام الاخضاع والتمييز ضد العرب الفلسطينيين, ويعتمد الأساس القانونى لهذا التمييز على قوانين الطوارئ التى أصدرتها الحكومة الاسرائيلية استنادا الى قانون ومرسوم الادارة رقم 5708 لعام 1948 وقانون الطوارئ (مناطق الأمن) التى أصدرتها دولة الاحتلال البريطانى فى عام 1945 وهى تخول وزير الدفاع الحق فى اقامة (مناطق أمن) ونقل ادارتها الى الحاكم العسكرى الذى يتمتع بسلطات غير محدودة عمليا, فمن سلطته مثلا أن يخضع الشخص لرقابة الشرطة, وأن يجدد اقامته فى مكان معين (المادة 110) وان يسجنه دون توجيه اتهام أو محاكمة لفترة غير محدودة (المادة 111) أو أن يطرده من البلاد (المادة 112) ومن حق الحاكم العسكرى أن يصادر الملكية الخاصة لأى شخص ويتصرف فيها كما يريد (المادتان ,119 120). كما يستند التمييز بعد حرب 1967 واحتلال أراض عربية في كل من مصر وسوريا والأردن الى الأوامر العسكرية التى صدرت ونشرت منذ عام 1967 وحتى الآن. وكان من جراء تلك الأوامر نسف آلاف البيوت العربية وطرد أكثر من 200 ألف مواطن, واعتقال الآلاف والاعتداء على المؤسسات الوطنية (مثل حل المجالس البلدية وإبعاد الناشطين فيها). وهكذا منذ أن قامت قوات الاحتلال الاسرائيلى بمهام تقلد السلطة فى المنشور رقم1 الصادر فى 7 يوليو 1967 والذى نص على تولى القائد العسكرى الاسرائيلى السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية فى الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان والقدس العربية وجميعها تعيش تلك الأحكام التمييزية العنصرية منذ احتلالها الى أن تحرر بعضها من جراء الاتفاق الاسرائيلى الفلسطينى. وهكذا ترفض اسرائيل من منطلق عقائدى تطبيق ميثاق جنيف على الاراضى المحتلة, أو الالتزام به فى التعامل مع الفلسطينيين باعتبار أن هذه الاراضى ليست محتلة وانما (محررة) أو (مدارة). كما أنها تعمل بـ (قانون العودة) الذى يمنح لكل يهودى حق الهجرة الى اسرائيل والحصول على الجنسية فى حين لا يمسح للاجئين العرب المولودين فى البلد بالعودة الى ديارهم. كما يتسم قانون الجنسية بنفس الروح العنصرية, حيث يصبح اليهود مواطنين أوتوماتيكيا فى حين أن على العرب أن يمروا باجراءات التجنيس ليصبحوا مواطنين اسرائيليين. وفى ذات الوقت تخضع الاقلية العربية فى (اسرائيل) لنصوص قانونية تستهدف نزع ملكية الأرض العربية. وينطبق نفس الشئ على مجال التعليم والصحة وكافة مجالات الحياة. والغريب أن الاجراءات التمييزية النابعة من سمو العنصر ونقاء العرق شملت أيضا يهود الشرق, وبذلك أصبح الكيان الاسرائيلى منقسما اجتماعيا الى ثلاثة مستويات من المواطنة: المستوى الأول للمواطنين اليهود الأشكناز, والمستوى الثانى لليهود السفارديم, والثالث لسكان الأرض الأصليين من العرب. أما القيمة الثانية من القيم السائدة فى التجمع الصهيونى بعد قيمة سمو العنصر هى قيمة أرض الميعاد: حيث يؤمن كل يهودى بأن فلسطين هى أرض الميعاد, وقد وردت الاشارة اليها فى التوراة, سفر التكوين, الاصحاح الخامس عشر الآية 18 (فى ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات). والديانة اليهودية ديانة حلولية تقيم وحدة دينية بين الأرض والشعب الذى يعيش عليها وبالتالى هى تسبغ صفات متعددة على أرض فلسطين فهى الأرض المقدسة, وهى أرض الرب, وكذلك هى أرض الميعاد التى سيعود اليها اليهود تحت قيادة المسيح, وهى الارض المختارة, وهى أرض الميعاد التى وعد الله ابراهيم بها ولنسله من بعده. وهكذا ارتبطت الديانة بالأرض ارتباطا كاملا, وأصبح الشعب الذى يعيش عليها شعبا مقدسا مغفورا خطاياه, وهكذا ارتبط المطلق بالنسبى وتحول النسبى الى مطلق, لذا ليس غريبا أن يصرح (دايان) أن الأرض هى ربه الوحيد. ووصل الأمر ببعض الحاخاميين الى أن ينشأوا (لاهوت الأرض المقدسة) محاولين عن طريقه تفسير آيات التوراة التى ذكرت حدود أرض الميعاد ووجوبية العودة اليها وشروطها, وعبر هذا الارتباط بين المطلق والنسبى استطاعت الحركة الصهيونية ان تلغى فترات الشتات اليهودى فى العالم مع الاحتفاظ بمعاداة السامية كقوة دفع لصالح مشروع بناء الوطن فى فلسطين (أرض الميعاد). ومن خلال ذلك أصبح اليهودى مرتبطا بفلسطين الوعد الالهى وأصبحت أرض فلسطين مقدسة بذاتها وأصبح الشعب الذى يعيش عليها اليهود شعب الله المختار!! وفى كتاب (أرض اسرائيل) والذى اشترك فى تأليفه بن جوريون وبن زفى, وفيه تناولا حدود الدولة اليهودية المنشودة فى عام 1917 حيث ذكرا شمالا جبل لبنان, شرقا بادية الشام (الصحراء السورية), جنوبا شبه جزيرة سيناء, وغربا البحر الأبيض المتوسط. وفى كتاب بن جوريون (بعث اسرائيل ومصيرها) جاء ما نصه إن جغرافية أرض اسرائيل, حيث ملتقى قارات ثلاث أضفت على البلاد أهمية قصوى وجعلتها بصورة ما حجر المغناطيس, الذى يجتذب الامبراطوريات, لكنها لم تضف شيئا من ناحية الأمن الى قدرة اسرائيل فى الدفاع عن نفسها. بل على العكس, أنقصتها من حيث الواقع والقياس. ولم تكن حدود اسرائيل مرسومة ومعينة, بل جرى تنقيلها مرارا وتكرارا منذ أيام القضاة الى أيام باركوحبا. وحتى فى ذروة توسعها ونموها, لم تكن تلك الحدود بالذات لتشمل ضمانة للبقاء والوجود. ولا يختلف وضع اسرائيل التى بعثت من جديد عما كان عليه فى الماضى, أو يفضله, فتعريفها الجغرافى الطبيعى لم يتغير علميا, على الرغم من التبدلات الكبرى والحيوية والتى طرأت على محيطها الجغرافى السياسى). إذن الأرض مقدسة بالمفهوم التوراتى, ومن خلال الايمان بذلك المفهوم لابد أن يتم التوسع حتى تتطابق حدود الأمة مع حدود الدولة, وهى مايفسر الشق التوسعى الإستيطانى عند الاسرائيليين الصهاينة, وعن ذلك يقول بن جوريون بوضوح فى الكتاب السنوى لحكومة اسرائيل فى أكتوبر 1952 (تتألف كل دولة من الأرض والشعب. واسرائيل لا تشذ عن هذه القاعدة, غير أنها دولة لم تأت مطابقة لأرضها أو شعبها.. وأضيف الآن أنها قامت فوق جزء من أرض اسرائيل فقط). وهكذا أصبحت فكرة أرض الميعاد, فكرة مصحوبة بوعد الهى مقدس, وترتب على ذلك قدسية الأرض التى وعد بها الرب ابراهيم, وترتب أيضا أن الشعب الساكن عليها شعب مقدس هو شعب الله المختار, وصار من الطبيعى أن يتم الربط العضوى المقدس بين تلك الأركان الثلاثة = الوعد الالهى, الأرض المقدسة, الموعد بها شعب الله المختار, وقد رتب ذلك السلوك التوسعى على حساب أرض الآخرين, بل وعلى حساب الشعب الساكن لتلك الأرض, كما رتب التمسك الغيبى بجغرافيا اسرائيل الكبرى التى جاء ذكرها فى التوراة من نهر النيل الى النهر الكبير الفرات, حتى ولو تم الاضطرار للتنازل عن بعضها بتوقيع معاهدات التسوية القائمة, الا أن تلك المعاهدات تعطى لاسرائيل حق الهيمنة والنفوذ بل والسيادة أحيانا على تلك الأرض. وعن ذلك يقول اسرائيل شاحاك فى كتابه (الديانة اليهودية وتاريخ اليهود.. وطأة 3000 عام) (فالايدلوجية اليهودية توصى بأن الأرض التى كانت فى قديم الزمان, إما محكومة من حاكم يهودى كائنا من كان, أو موعودة لليهود من الله, أما فى التوراة, أو بحسب تفسير حاخامى للتوراة والتلمود وهو الأهم سياسيا فى الواقع فإن هذه الارض يجب أن تعود لاسرائيل بما أنها دولة يهودية. ومما لا شك فيه أن الكثيرين من الحمائم اليهود يرون بأن فتحا من هذا النوع يجب أن يؤجل الى وقت تكون فيه اسرائيل قد اصبحت أقوى مماهى عليه الآن, أما أنهم يتطلعون برجاء الى حدوث (فتح سلمى) أى أن يجرى اقناع الحكام العرب أو الشعوب العربية, بالتنازل عن الأرض, موضوع البحث لقاء منافع تنعم بها عليهم الدولة اليهودية حينذاك) وهكذا جلبت قداسة الأرض وقداسة ساكنيها, وقداسة ساكنيها, قداسة التوسع, وقداسة الحدود التوراتية. وعن ذلك يقول البروفيسور موشيه برافر فى كتابه (حدود أرض اسرائيل) (على ما يبدو فإن مشكلة الحدود الاسرائيلية اثيرت منذ تبلور بنية الشعب اليهودى, ومنذ الوعد الالهى لسيدنا ابراهيم بإن يمنح هذه (البلاد) لسلالته ونسله, واصفا بذلك أولى معالم حدودها. ويمكننا الافتراض بهذا الصدد أن الله والتوراة ما كانا ليهتمان بهذا الموضوع كل هذا الاهتمام لولا اهميته البالغة. وعشية دخول الأسباط الاسرائيليين الى (ارض اسرائيل) أشار لهم (موسى) بشكل تفصيلى الى حدود (الارض الموعودة) الأمر الذى يدل دلالة قاطعة على مدى أهمية هذه القضية بالنسبة للشعب اليهودى. كاتب وباحث سياسى مصرى