كانت أكبر حالة (سوء فهم) في تاريخ العلاقات العربية الامريكية. بينما ظن عبدالناصر ان الولايات المتحدة كانت حليفة في التحرر من الاستعمار, كان ما تضمره واشنطن هو إحلال الاستعمار الامريكي مكان الاستعمار البريطاني. أولى الصدمات التي فجرت (سوء الفهم) وعرت النوايا الامريكية الحقيقية كانت صفقة سلاح. فعندما رفضت الولايات المتحدة طلبا من عبدالناصر لتزويد القوات المسلحة المصرية بأسلحة هجومية متقدمة حرصا على بقاء التفوق العسكري الاسرائيلي فاجأ عبدالناصر واشنطن بعقد صفقة اسلحة ضخمة مع (المعسكر الاشتراكي) في عام 1955. بوساطة وموافقة سوفييتية باعت تشيكوسلوفاكيا مصر عبدالناصر ما طلبت القاهرة اقتناءه. في هذه الاثناء, وقبل اعلان صفقة السلاح التشيكي, كان (البنك الدولي) قد وافق مبدئيا, بتوجيه من الولايات المتحدة, على تمويل مشروع سد اسوان العالي. وما ان اعلنت صفقة السلاح المصرية مع المعسكر الاشتراكي حتى أمرت واشنطن البنك الدولي بالغاء قرار التمويل على الفور. الآن وبنظرة عبر 46 سنة للوراء نستطيع ان نقول ان القطيعة بين مصر عبد الناصر والولايات المتحدة كانت بدايتها ونقطة انطلاقها هي صفقة السلاح التشيكي. ونستطيع ان نقول ايضا ان الالتزام الامريكي الثابت بأمن اسرائيل وتقديمه على الامن القومي العربي.. ذلك الالتزام الذي لا يزال قائما حتى يومنا هذا انفضح للعرب منذ منتصف عقد الخمسينيات في القرن الماضي. من ذلك الحين صار العداء الامريكي المحموم لعبدالناصر كزعيم لكل العرب عداء مكشوفا صريحا. ونعلم ان ناصر أقدم على تأميم شركة قناة السويس في عام 1956 لغرض توفير التمويل اللازم لمشروع بناء السد العالي. واذا كانت الولايات المتحدة قد اتخذت موقفا حياديا حيال ما يسمى بحرب السويس او (العدوان الثلاثي) على مصر في عام 1956 بتواطؤ بريطاني مع فرنسا واسرائيل فلأنها كانت تريد ان ترى الاستعمار البريطاني يهزم في آخر معاركه في التاريخ. وبذلك تزحف الولايات المتحدة لسد الفراغ. من هنا كان (مشروع ايزنهاور) في عام 1957 الذي رفضه عبدالناصر على الفور. كان الغرض من المشروع الامريكي إبعاد اي تهديد عربي عن اسرائيل بتكوين حلف بقيادة امريكا لتجميع الدول العربية ومعها تركيا وباكستان وايران في صعيد واحد ضد الاتحاد السوفييتي بذريعة (احتواء الخطر الشيوعي) و(حماية الشرق الاوسط) منه. وبسبب التحرش الامريكي بالدول العربية الرافضة للمشروع وقعت ردود فعل جسيمه. ودخلت مصر وسوريا في وحدة في عام 1958. وفي وقت لاحق من السنة نفسها وقع انقلاب عبدالكريم قاسم في العراق الذي اطاح بالنظام الملكي الحليف للغرب. ونتيجة لذلك هبطت قوات امريكية في لبنان استجابة لطلب من الرئيس كميل شمعون وسط تصاعد المشاعر الشعبية القومية بين اللبنانيين. كل هذه التطورات وما جرى بعدها جعلت من سنوات عقد الستينيات سلسلة من المعارك السياسية والمؤامرات بين مصر عبدالناصر والولايات المتحدة في حلبة العالم العربي. ومما زاد هذه المعارك والمؤامرات اشتعالا ان علاقات مصر مع الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي ارتقت سريعا الى مستوى شراكة استراتيجية موجهة بالدرجة الاولى ضد الولايات المتحدة واسرائيل في آن معا. وبحلول عام 1967 كانت المواجهة بين عبدالناصر وواشنطن قد بلغت ذروتها.. رغم انفراج نسبي ومؤقت في فترة ادارة الرئيس جون كيندي (1961 ــ 1963).